تونس: "جيل الثورة" يكسر القواعد التقليدية ويفرض نمطا جديدا من الاحتجاجات

فرانس 24 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
بات "جيل الثورة" في طليعة الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها تونس منذ سقوط الرئيس زين العابدين بن علي في 2011، والتي اندلعت مجددا في مطلع العام الجديد عقب تبني الحكومة قانون مالية اعتبره كثيرون مجحفا بحق الطبقات الفقيرة والوسطى. فرانس 24 التقت في العاصمة التونسية ناشطين بارزين من حملتي "فاش نستناو" و"مانيش مسامح"، ورصدت مسار اثنين منهما كما موقفيهما من حال البلاد.

السياسي الحالي سينتهي، إما فكريا أو بيولوجيا، وأنا من يهمني هو الشباب". صاحب هذا الكلام ليس كهلا ولا شيخا، ولم يكن مفكرا ولا مثقفا مغرورا، وإنما شاب في السابعة والعشرين من عمره. شاب تونسي لا يتطلع للشهرة ولا يطمح للسلطة، وإنما قطع عهدا مع "جيل الثورة" لأجل مواصلة النضال لغاية "تحقيق الأهداف المسطرة" في يناير/كانون الثاني 2011 عندما سقط الرئيس زين العابدين بن علي تحت ضغط الشارع.

سليم بن توفيق عضو في حملة "مانيش مسامح" (لن أسامح) التي تأسست في 2015 ردا على مشروع قانون المصالحة الوطنية الذي طرحه الرئيس الباجي قائد السبسي على مجلس النواب والموجه أساسا لفائدة رجال الأعمال، والذي وصفته منظمة "هيومن رايتس ووش" يومها بأنه "انتكاسة للانتقال الديمقراطي في تونس".

© سارة لودوك/فرانس 24

"النضال لا يعني أن تصل إلى السلطة وتبقى فيها"

وكغيره من الناشطين في مختلف الحملات الشبابية، يؤمن سليم بن توفيق بأن الشباب هو مستقبل تونس سياسيا واقتصاديا وثقافيا، معتبرا أن "الجيل السابق أبعد الناس عن الشباب لأنه يتحدث بلغة وخطاب غريبين" عن واقعه.

وليست هندة الشناوي، من حملة "فاش نستناو"، بعيدة عن خط زميلها إذ ترى في هذه الحملات "مرآة للمجتمع التونسي، لا سيما شريحة الشباب التي سئمت من رؤية جيل الشيوخ في التلفزيون أو في البرلمان وهم يتحدثون ويفكرون في مكانه".

أما علاء طالبي، وهو مدير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والإجتماعية، فقد اكتشف "جيلا جديدا من الشباب ما زال يؤمن بوجود مسار ثوري يجب أن يستكمل، مشيدا بدور هذه الحركات التي "أعادت الثقة إلى الحركة الاجتماعية الشعبية" في البلاد.

حركات يكفيها إنشاء صفحة في مواقع الاجتماعي

فكيف عبدت "مانيش مسامح" و"فاش نستناو"، والحملات الوقتية التي سبقتها مثل "جيل ضد التهميش" في 2013 أو "أنا حرقت مركز" و"حاسبهم" في 2014، الطريق أمام انتشار فكر احتجاجي جديد أربك السلطات والأحزاب السياسية على حد السواء؟

هندة الشناوي (34 عاما)، وهي صحفية ومدونة نشطت في مجال "الحريات الشخصية والنقابية والحقوقية" قبل وبعد الثورة ضد نظام بن علي، تقول إن ما يميز هذه الحركات عن المنظمات التقليدية هو "أنها لا تحتاج لمقر أو زعيم، وإنما يكفيها إنشاء صفحة في مواقع الاجتماعي وتعبئة ناشطين مهتمين بإدارتها لتحريك الجماهير بفضل جهود الجميع المتظافرة".

وحملة "فاش نستناو" التي ظهرت للوجود في 3 يناير/كانون الثاني 2018 ردا على قانون المالية، أبرز مثال على ذلك، على حد قولها، إذ أن "العناصر المشاركة فيها جاؤوا من مختلف الجهات والتيارات ولديهم مساريختلف من فرد لآخر، فتجد من يوجه نشاطه إلى الشارع أو الأحياء الشعبية ومن يوجهه نحو الأحزاب السياسية أو حتى البرلمانيين، وهذا يشكل قوة بالنسبة للحملة".

© سارة لودوك/فرانس 24

"نجحت حيث فشلت الأحزاب السياسية"

ولا يختلف معها سليم بن توفيق، وهو أيضا صحفي، إذ يعتبر "مانيش مسامح حملة استثنائية لأنها فرضت بصمة خاصة مقارنة بالحملات الأخرى"، مضيفا: "ونحن أيضا تميزنا عمن سبقونا في الاحتجاج في طريقة التظاهر بحد ذاتها".

ويتابع قائلا إن هذه الحركات الشبابية "لا تقدم نفسها على أنها بديل للسلطة، ولا تطالب بإسقاط نظام ما، بل هي ردة فعل تاريخية وحدت الأفكار السياسية لدى الشباب نحو هدف واحد وقربت وجهات النظر بوضعها أرضية مشتركة بين الناس، أي نجحت حيث فشلت الأحزاب السياسية".

وقوة هذه التنظيمات الشبابية، بحسب هندة الشناوي، أنها "تتيح للناشط خيارا غير محدود إذ بإمكانه أن ينضم لحملة واحدة أو أكثر"، مشيرة إلى أنها تشارك في حملتي "فاش نستناو" و"مانيش مسامح"، مذكرة بأن الأخيرة تمكنت في 2015 من تعديل ثلثي قانون المصالحة.

كما تمكنت حملة "أنا حرقت مركز" في 2014 من استصدار "عفو عن كل الثوار" بعدما بادرت بقائمة مجموعة ناشطين مهتمين بقضية العدالة الانتقالية (منهم الشناوي) بإنشاء صفحة على "فيس بوك" وتحديد "هاش تاغ" ونشر صور في مواقع التواصل الاجتماعي بصفة عامة، ثم نزلوا إلى الشارع وتحدثوا لأعضاء الجمعية التأسيسية وممثلي المجتمع المدني.

© سارة لودوك/فرانس 24

سمحت للشاب التونسي أن يكون ناطقا باسمه الخاص

وتابعت الصحفية السابقة في "نواة" وفي الإذاعة التونسية: "عندما طرح الباجي قائد السبسي مشروع القانون لم يتحرك  أي حزب سياسي ولم يحتج أحد من المجتمع المدني. ومن تجرأ على قول "لا"؟ حملة مانيش مسامح، التي تعرض ناشطوها للضرب والتضليل! وانتظر الرئيس عامين قبل إقرار القانون".

وبالنسبة إلى سليم بن توفيق، والذي بدأ النضال تحديدا في 18 ديسمبر/كانون الأول 2010 على "فيس بوك"، فإن "مانيش مسامح" منحت للشاب التونسي فرصة أن يكون "ناطقا باسمه الخاص، فلاقى أذنا صاغية لدى وسائل الإعلام وحتى لدى الحكومة".

فحملتا "مانيش مسامح" و"فاش نستناو" كسبتا القوة والشرعية من الشارع، إذ هي مرسخة في الأحياء قبل انتشارها بالمدن، متوزعة في العاصمة قبل تسربها للجهات، ومن قاعدتها الواسعة التي تضم المحامي والنقابي، الأستاذ والطالب، العاطل عن العمل والمدون، ومن تنظيمها الأفقي الذي لا يقبل زعيما ولا مدبرا طموحا. وفضاؤها طليق حر في أدغال الإنترنت، أطرافه مترامية بقدر امتداد الشبكة.

وبالتالي، لا شك أن الحركات الشبابية في تونس تقترب اليوم من السلطة المضادة، ربما الوحيدة في البلاد؟ وذلك لأنها تحظى بـ "اهتمام واحترام متنامي من قبل المعارضة"، كما تشرح هندة الشناوي. ولأنها لا تجري وراء طموحات سياسية ولا أي مناصب، ولا تطالب بإسقاط هذه الحكومة أو تلك ولا تدعو لانتخابات مسبقة.

"جيل الثورة والكرامة"

ويرد سليم بن توفيق على من يتساءل لماذا تستمر حملة "مانيش مسامح" ما دام مشروع قانون المصالحة الذي نشأت لأجله أصبح قانونا؟ وجوابه: "الحملة مستمرة لأن الظلم مستمر". "مانيش مسامح" ليس فقط لهذا القانون، "الذي هو في الحقيقة قانون تبييض الفساد، حسب رأيه، ولكنها "في حق الشهداء والجرحى، وفي حق المحاسبة".

فالحملات الشبابية مستمرة لأن لديها شعور بأن "الشارع يدعوها لمواصلة النشاط، ولأنه بحاجة إلى من يحركه" وتقول هندة الشناوي: "حتى الطبقة السياسية تعلم أن هذه الحملات وراءها شباب متحمس متعطش للحرية ولمكاسب الثورة". "جيل الثورة والكرامة"، كما وصفته المدونة والناشطة لينا بن مهني.

علاوة مزياني

نشرت في : 20/01/2018

المصدر فرانس 24

أخبار ذات صلة

0 تعليق