التاريخ ينبئ بالمستقبل.. كيف تموت الديمقراطيات؟

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

قدمت صحيفة “جارديان” عرضا ملخصا لكتاب “كيف تموت الديمقراطيات: ما يكشفه التاريخ عن مستقبلنا” للكاتبين ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات، أساتذة الشؤون الحكومية في جامعة هارفارد.

ويرى مؤلفا الكتاب أن الدكتاتورية السافرة، في شكل فاشية أو شيوعية أو حكم عسكري مطلق، اختفت في أنحاء كثيرة من العالم، كذلك الانقلابات العسكرية وغيرها من عمليات الاستحواذ العنيفة على السلطة أصبحت نادرة، ومعظم البلدان تجري انتخابات منتظمة، وفي الوقت نفسه، العالم لا يزال يشهد موت الديمقراطيات، لكن بوسائل مختلفة.

منذ نهاية الحرب الباردة، لم تحدث معظم الانهيارات الديمقراطية بسبب جنرالات وجنود، بل بواسطة الحكومات المنتخبة نفسها، مثلما خرب القادة المنتخبون المؤسسات الديمقراطية في جورجيا وهنغاريا ونيكاراغوا وبيرو والفلبين وبولندا وتركيا وأوكرانيا.

يبدأ الانحدار الديمقراطي اليوم في صندوق الاقتراع، فالطريق الانتخابي خادع بشكل خطير؛ فمع الانقلاب الكلاسيكي، كما الحال في تشيلي بينوشيه، فإن وفاة الديمقراطية وواضح للجميع؛ حيث يحترق قصر الرئاسة، أو يُقتل الرئيس أو يُسجن أو يُرسل إلى المنفى، ويتم تعليق الدستور أو إلغاؤه.

في الطريق الانتخابي، لا توجد دبابات في الشوارع، بل لا تزال الدساتير والمؤسسات الديمقراطية الأخرى قائمة، والناس يصوتون، فالمستبدون المنتخبون يحافظون على قشرة الديمقراطية، بينما ينزعون جوهرها.

العديد من الجهود الحكومية لتخريب الديمقراطية “قانونية”؛ بمعنى أنها معتمدة من قبل السلطة التشريعية أو القضائية، بل يتم تصويرها باعتبارها جهود لتحسين الديمقراطية، أي جعل القضاء أكثر كفاءة، ومكافحة الفساد، أو شفافية العملية الانتخابية.

لا تزال الصحف تنشر تقاريرها ومقالاتها، لكن يتم شراؤها أو إرهابها لتصل إلى مرحلة الرقابة الذاتية، ويواصل المواطنون انتقاد الحكومة، لكنهم غالبا ما يجدون أنفسهم يواجهون ضرائب أو مشاكل قانونية أخرى، ولا يدرك الناس ما يحدث، ويستمر الكثيرون في الاعتقاد أنهم يعيشون في ظل ديمقراطية.

ولعدم وجود إجراءات فجة؛ مثل إعلان الأحكام العرفية أو تعليق الدستور، الذي فيه يصبح النظام بوضوح يعبر الخط إلى الدكتاتورية، لا شيء يفجر أجراس الإنذار للمجتمع، ويمكن رفض الذين ينددون بإساءة معاملة الحكومة بوصفهم إما مبالغون أو سوداويون، وبالتالي يكون تآكل الديمقراطية بالنسبة للكثيرين عملية غير محسوسة تقريبا.

ويكشف نهج مقارن، كيف يستخدم الاستبداديون المنتخبون في مختلف أنحاء العالم استراتيجيات مماثلة بشكل ملحوظ لتخريب المؤسسات الديمقراطية، عندما تصبح هذه الأنماط مرئية، فإن الخطوات نحو الانهيار تصبح أقل غموضا وأسهل في مواجهتها، ومعرفة كيف قاوم المواطنون في الديمقراطيات الأخرى، المستبدين المنتخبين، أو لماذا فشلوا بشكل مأساوي، أمر ضروري للذين يسعون للدفاع عن الديمقراطية الأمريكية اليوم.

نعلم أن الديماجوجيين يظهرون من وقت لآخر في جميع المجتمعات، حتى في الديمقراطيات السليمة، وكان للولايات المتحدة نصيبا في عهود هنري فورد وهوي لونج وجوزيف مكارثي وجورج والاس، الاختبار الأساسي للديمقراطيات ليس في ظهور هذه الشخصيات، لكن تصدي القادة السياسيين، في حصولهم على السلطة في المقام الأول؛ من خلال إبقائهم خارج الأحزاب الرئيسية ورفض تأييدهم أو التوافق معهم.

عزل المتطرفين الشعبيين يتطلب شجاعة سياسية، لكن عندما يقود الخوف أو الانتهازية أو سوء التقدير الأطراف القائمة، ويتم جلب الديماجوجيين إلى التيار الرئيسي، فإن الديمقراطية تتعرض للخطر، ومجرد أن يصل الاستبداديون إلى السلطة، تواجه الديمقراطيات اختبارا حاسما.

المؤسسات الديمقراطية وحدها ليست كافية لكبح جماح المستبدين المنتخبين، ولا يجب الدفاع عن الدساتير من قبل الأحزاب السياسية والمواطنين المنظمين فقط، لكن أيضا من خلال المعايير الديمقراطية، فبدون معايير قوية، لا تخدم الضوابط والتوازنات الدستورية كحصون للديمقراطية، تصبح المؤسسات أسلحة سياسية لمن يسيطر عليها.

والطرق التي يخرب بها المستبدون المنتخبون الديمقراطية، تكون بحشد السلطات القضائية والتشريعية والوكالات المحايدة الأخرى، وشراء وسائل الإعلام والقطاع الخاص أو التسلط عليهم وممارسة المضايقات ضدهم في صمت، وإعادة كتابة قواعد السياسة لإمالة الملعب ضد المعارضين، المفارقة المأساوية للاستبداد عبر الطريق الانتخابي، أن يستخدم المستبدون المؤسسات الديمقراطية نفسها بشكل تدريجي وببراعة بل وحتى قانونيا، لقتل الديمقراطية.

وفشلت أمريكا في الاختبار الأول، عندما انتخبت في نوفمبر 2016، رئيسا مشكوكا في ولائه للمعايير الديمقراطية، فالانتصار المفاجئ الذي حققه دونالد ترامب، لم يكن ممكنا بسبب السخط العام فحسب، بل أيضا بسبب فشل الحزب الجمهوري في إبعاد ديماجوجي متطرف عن الترشح من داخل صفوفه.

ويثق العديد من المراقبين في الدستور الأمريكي، أنه صمم خصيصا لإحباط واحتواء الديماجوجيين مثل ترامب، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة، نجت على مدى أكثر من قرنين من الحرب الأهلية، والاكتئاب الكبير، والحرب الباردة وفضيحة ووترجيت، وبالتأكيد، سوف تكون قادرة على الصمود أمام ترامب.

صحيح أن النظام الأمريكي صاحب تاريخ جيد من الضوابط والتوازنات، ليس فقط بسبب النظام الدستوري الذي صممه المؤسسون، بل بسبب معيارين أساسيين ساهما في الحفاظ على الضوابط والتوازنات الأمريكية؛ هما التسامح المتبادل أو قبول الأطراف المتنافسة بعضها بعضا كخصوم شرعيين، والصبر أو فكرة أنه ينبغي على السياسيين ممارسة ضبط النفس في نشر صلاحياتهم المؤسسية.

دائما ما تعمل الديمقراطيات على أفضل وجه، وتستمر لفترة أطول، حيث يتم تعزيز الدساتير بواسطة معايير ديمقراطية غير مكتوبة، وعززت هاتان القاعدتان الديمقراطية الأمريكية في معظم القرن العشرين، وقبل زعماء الحزبين الرئيسيين بعضهما بعضا بالشرعية، وقاوموا إغراء استخدام سيطرتهم المؤقتة على المؤسسات لتحقيق أقصى ميزة حزبية.

كانت قواعد التسامح وضبط النفس بمثابة الحواجز الناعمة للديمقراطية الأمريكية، ما ساعد على تجنب هذا النوع من القتال الحزبي حتى الموت الذي دمر الديمقراطيات في أماكن أخرى من العالم، بما فيها أوروبا في الثلاثينيات وأمريكا الجنوبية في الستينيات والسبعينيات.

أما اليوم، فإن حواجز الديمقراطية الأمريكية تضعف، وبدأت تتآكل، فعندما أصبح باراك أوباما رئيسا، شكك العديد من الجمهوريين على وجه الخصوص، في شرعية منافسيهم الديمقراطيين، وتخلوا عن الصبر والتسامح من أجل استراتيجية الفوز بأي وسيلة، وصعود ترامب سارع هذه العملية، لكنه لم يسببها.

إضعاف المعايير الديمقراطية متأصل في تغذية وتكثيف الاستقطاب، وإذا كان هناك شيء واحد واضح من دراسة أعطال الديمقراطية على مر التاريخ، فإن الاستقطاب الشديد يمكن أن يقتل الديمقراطيات، لذلك، هناك أسباب تدعو إلى التنبيه، وإذا كانت تجارب البلدان الأخرى علمتنا أن الاستقطاب يمكن أن يقتل الديمقراطيات، يعلمنا أيضا أن الانهيار غير حتمي.

ويقول الكاتبان إن كثيرا من الأمريكيين يخشون بشكل مبرر ما يحدث، لكن حماية الديمقراطية تتطلب أكثر من مجرد خوف أو غضب؛ ينبغي التعلم من البلدان الأخرى ورؤية علامات التحذير، ويجب إدراك الخطأ المشؤوم الذي دمر ديمقراطيات أخرى، ويجب معرفة كيف نهض المواطنون لمواجهة الأزمات الديمقراطية العظيمة في الماضي والتغلب على الانقسامات العميقة الجذور لتجنب الانهيار.

المقال من المصدر: اضغط هنا

المصدر البديل

إخترنا لك

0 تعليق