الفلسطينون في غزة يواجهون أوقاتًا عصيبة مع استقطاعات «ترامب» من المعونة الأمريكية

بوابة الشروق 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تدير رقية الحيسي وهي راقدة في فراشها شؤون عائلتها كما لو كانت ملكة، وتضع هذه المرأة الفلسطينية التي تبلغ من العمر 79 عامًا وشاحًا على رأسها مطبوع عليه صور للنمور، بينما تغطي بطانية من الصوف خضراء اللون ساقيها، وتتعاقب حبات المسبحة بين أصابعها وهي تتحدث.

وتقول رقية وهي تجول ببصرها في أنحاء بيت عائلتها الكائن داخل مخيم للاجئين الفلسطينيين بقطاع غزة، «إننا لم نكن نتوقع على الإطلاق أن نبتعد عن يافا كل هذه الأعوام».

ويضيف حفيدها أسامة، «أن هذا بيت مؤقت فحسب، فعاجلًا أو آجلًا سنعود إلى يافا»، غير أن أسامة لم يشهد أبدًا منزل جدته، والذي كان يقع في القطاع القديم من مدينة تل أبيب الإسرائيلية الحالية.

وهربت رقية من مدينة يافا مع أسرتها عام 1948 عندما كانت في العاشرة من عمرها فقط، وتم طرد أكثر من 700 ألف فلسطيني من ديارهم خلال الحرب الأولى، التي دارت بين إسرائيل وجيرانها العرب.

وانتهى الحال بكثير من هؤلاء الفلسطينيين المبعدين إلى الإقامة في غزة وهي قطاع يقع على مسافة 80 كيلو مترًا جنوبي تل أبيب، وكانت غزة حينها تخضع للإدارة المصرية، وأصبحت تحكمها اليوم حركة حماس الإسلامية المتطرفة.

وأسست الأمم المتحدة صندوقًا لتقديم المعونة لهم عرف باسم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأنروا»، وتقدم الوكالة حاليًا المعونة لنحو 5 ملايين فلسطيني في الأردن ولبنان وفي الأراضي الفلسطينية.

وحتى الآن، كان المصدر الرئيسي لمعظم تمويل الوكالة يأتي من جانب الولايات المتحدة، التي قدمت لها 380 مليون دولار في عام 2017.

غير أن هذا التمويل، جاء قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه سيجري استقطاعات كبيرة في تمويل «الأونروا»، كخطوة للضغط على الفلسطينيين حتى يوافقوا على إجراء مفاوضات سلام مع الإسرائيليين، وجاء قرار تخفيض التمويل كضربة قاصمة للأونروا.

ويقول بيير كارينبوهل المفوض العام لـ«لأونروا»، إننا تلقينا حتى الآن 60 مليون دولار، غير أنني أعتقد أنه ينقصنا 300 مليون دولار، وهذا الاستقطاع الأمريكي في التمويل مأساوي وسيكون له نتائج ملموسة.

ومن بين أشد المتضررين من جراء الاستقطاع قرابة مليون لاجئ في قطاع غزة يعتمدون على هذه الوكالة الأممية للحصول على المساعدات الغذائية.

ويوضح عاصم أبو شاويش مدير البرنامج الاجتماعي المنبثق عن «الأونروا» في قطاع غزة قائلا: «في ضوء الأزمة المالية فقد لا تكون الأونروا في وضع تستطيع معه أن تواصل معوناتها الغذائية العاجلة».

ويضيف، أن هذا التطور سيؤدي بالتأكيد إلى زيادة حالات الجوع بين الأسر الفقيرة التي تعتمد بشكل كامل على المساعدة الخارجية.

بينما تقول رقية، «إذا أوقفت الأونروا معوناتها الغذائية فلن نكون قادرين على الحصول على أموال لشراء الطعام، وهذه ستكون النهاية»، وتحصل عائلتها على حزمة معونة كل 3 أشهر تتضمن الأرز والدقيق والزيت والحليب المجفف والسردين والعدس، وليس لدى أي من أبناء أو أحفاد رقية وظيفة دائمة.

وفي واقع الأمر، يعاني نصف سكان غزة من البطالة، كما يشير بذلك تقرير للبنك الدولي.

وتقيم رقية مع أحد أبنائها الأربعة وزوجته وأطفاله الثلاثة، وتنام الأسرة بكاملها على مراتب داخل غرفة واحدة، وتبلل المياه أرضية الغرفتين الأخريين لأن أجزاء من السقف انهارت.

وتعلق رقية على وضع غرفة النوم قائلة: «عندما يهطل المطر تتحول هذه الغرفة إلى حوض للسباحة»، ويمكن رؤية شرخ في الحائط خلفها يبلغ طوله مترًا كاملًا.

كما يعاني سكان غزة البالغ عددهم مليوني نسمة من انقطاع التيار الكهربائي لفترات أطول، وتعلق رقية على ذلك بقولها وهي تنظر إلى آنية موضوعة بجوار فراشها بداخلها حبات الفاصوليا، «إنني أنتظر عودة التيار الكهربائي قبل أن أبدأ في طهي طعام الغداء»، ويستمر إمداد التيار الكهربائي حاليًا في غزة طوال فترة 6 ساعات في اليوم.

وتراجعت مستويات المعيشة في غزة خلال الأعوام الـ10 الماضية، بعد أن سيطرت حركة حماس على القطاع عام 2007.

وبدأت إسرائيل بعدها في حصار غزة، وانضمت إلى فرض الحصار في وقت لاحق دولة مصر المجاورة للقطاع، وتم التضييق بشكل صارم على حركة انتقال السلع والأفراد إلى داخل غزة وخارجها، ودخلت حماس وإسرائيل في حرب ضد بعضهما البعض 3 مرات.

ويقول «كارينبوهل» في عام 2000 كان هناك 80 ألف شخص مدرجين على قوائم «الأونروا» للحصول على المعونة الغذائية، وترجع الزيادة في عدد المتلقين للمعونة إلى التأثير الواضح للحصار، والذي أثر بالطبع على مختلف قطاعات الاقتصاد.

كما أدى النزاع بين حماس وبين السلطة الوطنية الفلسطينية، حول السيطرة على قطاع غزة إلى تدهور الوضع.

وقام الرئيس الفلسطيني محمود عباس العام الماضي بإلغاء سداد فاتورة استهلاك الكهرباء بقطاع غزة، وبالتالي توقفت إسرائيل عن تزويد القطاع بالكهرباء.

وفي يناير الماضي طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإلغاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأنروا» تمامًا.

وقال «نتنياهو»، «الأنروا» تعد منظمة تؤدي إلى استدامة مشكلات اللاجئين الفلسطينيين، كما أنها تساعد على استدامة الأقوال المطالبة بما يعرف بحق العودة بهدف القضاء على دولة إسرائيل، ومن هنا فإنه يجب أن تختفي الأونروا من الوجود، ويرفض «كارينبوهل» مفوض «الأونروا» هذه الفكرة.

ويقول، إنها ليست «الأونروا» هي التي تؤدي إلى استدامة مشكلات اللاجئين الفلسطينيين، ويضيف، «أعتقد أن الذي يديمها هم السياسيون الذين لا يستثمرون طاقاتهم في التوصل إلى حل سياسي للوضع».

ويتابع قائلا: «إن الأونروا ستظل موجودة ما دام الصراع مستمرًا».

ومن ناحية أخرى تجلس رقية في غرفتها الخالية من الأثاث، وتتذكر بساتين الموالح في يافا التي اعتادت أن تزورها مع أبيها.

وتقول، «إنني أدعو الله طوال النهار والليل بأن يأتي مستقبل أفضل لأبنائي، وأن يحصلوا أولا على وظائف جيدة، ثم على منازل جيدة، وأن يواصلوا الانتظار إلى أن نعود جميعا إلى يافا».

المصدر بوابة الشروق

أخبار ذات صلة

0 تعليق