إبراهيم نافع.. ومات العملاق غريبًا «بروفايل»

بوابة فيتو 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
صورة أخيرة لم تستطع أن تنال من رمز صحفي لقبه معارضوه قبل مؤيديه بـ«عملاق الصحافة»، لم تستطع الصورة أن تمحو 60 عاما من النجاح والنجومية، فالرجل كان محببًا ومقربًا لرأس السلطة قبل أن يترك منصبه، لم ينف يومًا علاقته بـالرئيس الأسبق حسني مبارك حتى وإن ظن البعض أن الأمر انتقص من رصيده وتاريخه الصحفي.

«نفسي أرجع مصر يا علا».. بصوت هادئ رخيم، قالها إبراهيم نافع، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق، لزوجته، ورددها منذ أن علم إصابته بالمرض اللعين، وتمنى العودة أكثر، بعدما تدهورت حالته، فذلك الصحفي الثمانيني لم يعد يستطيع المقاومة، مقاومة البعد عن الوطن والأهل والخلان.

ظل يجلس متكئا على مقعدٍ طبي بإحدى غرف العناية المركزة بإمارة دبي، أسلاك تصل بينه وبين أجهزة القلب والضغط وجهازًا للتنفس، هكذا يبدو الأمر في ظاهره، إلا أن بداخل «نافع» كانت تتلاطم أمواج من الذكريات، شريط حياة يزيد عن ٨٠ عامًا، نجاحات كثيرة وكبوات أقل، يتذكر منذ أن كان ابن السابعة عشر قادمًا من محافظة السويس، إلى العاصمة القاهرة ليلتحق بكلية الحقوق جامعة عين شمس، لا يزال يتذكر جيدًا يوم أن تخرج في العام ١٩٥٦، وذهب وأحد رفقائه إلى مكتب وكالة «رويترز» بالقاهرة، فهو يمتلك من المهارات ما يؤهله للالتحاق بهذه الوكالة العريقة.

إبراهيم نافع، ذلك الشاب الدءوب الذي دأب شغفًا بالصحافة وعشق القلم ورائحة الورق، لم تبخل عليه صاحبة الجلالة هي الأخرى، أحبته كما أحبها، احتضنته وطوعت أمكانياته وقدراته، أدخلته إلى بلاطها من باب أبنائها النبهاء.

لما كانت الإذاعة المصرية مفرخة المبدعين من الصحفيين والكتاب وكارت العبور للشهرة، لدى أبناء الإقليم العربي وليس مصر وحدها، استوعب الصحفي الصغير درس من سبقوه، والتحق بالإذاعة، ولم يستمر فيها طويلا حتى عين في جريدة الجمهورية، إلا أن عينه كانت دائمًا على الأهرام.

تقدم «إبراهيم» إلى جريدة الأهرام بأوراق عمله وهو لا يزال ينتمي لجريدة الجمهورية، ترك عنوانه ورقم الهاتف الأرضي، وبعد أقل من شهر وصل «نافع» عن طريق البريد خطابًا رسميًا يحمل طابع المؤسسة بداخله إخطارا بموعد مقابلة بأحد مسئولي الأهرام، بالفعل ذهب مسرعًا وقابل رئيس القسم الاقتصادي الذي عُين «إبراهيم» محررًا فيه، على مدى عشر سنوات تدرج في المؤسسة من محرر مرورًا بمساعد لرئيس تحرير الأهرام، حتى وصل إلى رأس المؤسسة عام ١٩٧٩م، رئيسا لمجلس إدارتها.

١٩٨٤ كانت انطلاقة إبراهيم نافع، طوع ما امتلكه من صلاحيات لتطوير الأهرام ووضعها في مصاف الصحف العالمية، وذلك بعدما جمع بين رئاسة مجلسي التحرير والإدارة، فعلى مدى ستة وعشرين عامًا، تخطت شهرة الصحفي الكبير الإقليم المصري، كون علاقات وطيدة مع ملوك ورؤساء أغلب الدول العربية، مثل حينها أحد رموز القوة الناعمة لمصر بالخارج.

١٨ إصدارا نسب لمؤسسة الأهرام في عهده في شتى المناحي وبلغات عدة فكانت «الأهرام ويكلي وإبدو»، أيضا « الأهرام الدولية والعربية» لم يغفل حق الطفل في إصدار مجلة معبرة عنه فكانت «علاء الدين» وأخرى للتكنولوجيا والإنترنت «لغة العصر»، وثالثة للشباب ورابعة للسياسة وخامسة للاقتصاد، وزعت الأهرام على مستوى ٦٤ دولة، عزز ذلك فتح ١٦ مكتبا للأهرام على مستوى القارة الأوروبية والآسيوية وكذلك كندا والولايات المتحدة.

طفرة حقيقية داخل المؤسسة العريقة، حققها إبراهيم نافع، شيد مبنيين حديثين إلى جانب المبنى الرئيسي الذي أسسه الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل. لم يغفل أيضا صناعة الطباعة والنشر، فأسس ٣ مطابع تابعة للأهرام مجهزة بأعلى التقنيات والإمكانات حتى أصبح ٩٠٪ من الصحف والإصدارات في مصر تطبع في الأهرام.

كان صاحب فكرًا لبيراليًا، منفتحا على عالم يؤمن بأهمية البحث والعلم والمعرفة، فأنشأ ثلاث مراكز بحثية جديدة وهي «مركز تاريخ الأهرام، «معهد الأهرام الإقليمى للصحافة»، « وكالة الأهرام للخدمات الصحفية»، أنشأ في عهده أيضا جامعة الأهرام الكندية، إحدى المؤسسات التعليمية حديثة لتخريج كوادر شابة من الصحفيين والإعلاميين، علها آخر ما أنجز «إبراهيم نافع» قبل أن يرحل عن الأهرام في ٢٠٠٥.

أثناء هذا الزخم وهذه النجاحات المتتالية، كان «نافع» يحقق انتصارًا من نوعٍ آخر، داخل نقابة الصحفيين، بعدما تولى منصب نقيب الصحفيين ست دورات، أعطى خلالها الجميع درسًا يؤرخ في العمل النقابي، يرويه التاريخ ومن عاصروه، خيب ظن من رفضوا ترشيحه لهذا المنصب في دورته الأولى مخافة أن تتغول علاقته الوطيدة بمبارك، رئيس الجمهورية آنذاك، على العمل النقابي وتنتقص من حرية الصحافة وأبنائها، وتحول النقابة من رافد من روافد الحرية التعبير إلى مجرد ناد اجتماعي بلا رؤية وبلا موقف.

«إرادة الجمعية العمومية فوق الجميع» هكذا قالها إبراهيم نافع لرئيس الجمهورية خلال اتصال تليفوني بينهما، على خلفية انتفاضة صحفيي مصر ضد قانون ٩٣ لسنة ١٩٩٥« قانون اغتيال الصحافة» كما أطلق الصحفيون، لا سيما أنه كرس لعقوبات الحبس في قضايا النشر.

انتفاضة واعتصامات استمرت على مدى عام، داخل قلعة الحريات برئاسة إبراهيم نافع، المقرب من مبارك ضد قانون مبارك نفسه، معركة أدارها الأول بذكاء ورشد، أبهر الجميع، كانت صفحات الأهرام خلال عام لكبار كتاب الرأي بمثابة قاعدة يطلقون منها قذائفهم على السلطة في مواجهة القانون، إلى أن انتصرت إرادة الصحفيين، بعد نضال دام عامًا كاملا، وكلل بإسقاط القانون وإصدار تشريع جديد موائما نسبيا لأصحاب الكلمة في ١٠ يونيو ١٩٩٦ وهو اليوم الذي أصبح من حينها عيدًا للصحفي.

منهاج إبراهيم نافع نحو التطوير والتحديث، لم يقتصر على المؤسسة التي يترأسها وينتمي إليها، وإنما كان لعموم الصحفيين نصيب منها، إذ كانت على رأس أولوياته في دورة مجلس ١٩٩٥م، تنفيذ مشروع إقامة مبنى جديد ‏يلبي‏ ‏الاحتياجات‏ ‏المتزايدة‏ ‏للأنشطة‏ ‏الصحفية ويليق بصاحبة الجلالة، ولما كانت علاقاته واسعة استطاع أن يقتنص أقصى ما يُسمح له من دعم رسمي قدر بنحو ١٠ ملايين جنيه، وبالفعل وضع حجر أساس المبنى الجديد في ١٠ يونيو ١٩٩٧ بالتزامن مع الاحتفال بيوم الصحفي، ليستكمل مكرم محمد أحمد المسيرة إلى أن اكتملت هيئته النهائية عام ٢٠٠٢ ليصبح أضخم مبنى لنقابة على مستوى الوطن العربي.

١٠ يونيو لم يكن يوما عاديًا في مسيرة «إبراهيم نافع» الصحفية، لعب القدر لعبته فجعله يوم انتصار تارة - إسقاط قانون ٩٣ ووضع حجر أساس مبنى النقابة الجديد-، ويوم انكسار تارة أخرى، ٩ يونيو ٢٠٠٥ يوم خفت نجمه ورحل عن الأهرام.

التاسعة صباحًا يخبره صفوت الشريف، وزير الإعلام الأسبق، بإقالته من منصبه في الأهرام، وتعيين صلاح الغمري، رئيسًا لمجلس الإدارة، وأسامة سرايا، رئيسًا للتحرير، على خلفية بعض ما تردد من قضايا فساد وتربح من وراء المنصب فجرها مجموعة من الصحفيين ذائعي الصيت آنذاك.

يقول نافع: «تفهمت الأمر وتركت القاهرة إلى الإسكندرية قبل أن يعلم أحد بالمؤسسة، أفسحت المجال للزملاء الجدد للتهاني ونأيت بنفسي عن هذا المشهد».

مشهد قاس لم يكن أشد قسوة من الأيام والشهور التي عاشها «نافع» بعد مغادرته للأهرام وقبل أن يتوارى تمامًا عن المشهد، يقول: « لم أتخيل أن هناك حملة ممنهجة، نالت مني وشوهت تاريخي يقودها مجموعة من تلامذتي داخل الأهرام، استمرت طويلا ومثل لي أذى نفسيا كبيرا وآثرت أن أبتعد تمامًا».

٢٥ يناير ٢٠١١ كانت نقطة فاصلة في تاريخ إبراهيم نافع، فعلى إثر محاكمة رموز نظام «مبارك» اتهم الأول في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«هدايا الأهرام» لا تزال متداولة إلى الآن داخل أروقة المحاكم، ترك «نافع» البلاد وتدهورت صحته وانتهى جواز سفره، ولم يستطع العودة إلى بلده، محاولات عديدة للتسوية، إلا أن جميعها فشلت، إلى أن شاء القدر أن يرحل العملاق غريبًا.

اتفق قراء وتلامذة إبراهيم نافع أو اختلفوا على شخصه، يبقى تاريخه علامة مضيئة في تاريخ صاحبة الجلالة بعدما قدم نموذجا يحتذى لصحفي خدم مهنته وانحاز لأبنائها قبل أي شيء.

وأعلن محمود كامل، عضو مجلس نقابة الصحفيين، خبر وفاة الكاتب الصحفي إبراهيم نافع، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق، ونقيب الصحفيين الأسبق، بأحد المراكز الطبية بدبي، عن عمر يناهز ٨٤ عاما، إثر تدهور حالته الصحية بعد إجراء عملية استئصال جزء من البنكرياس.

المصدر بوابة فيتو

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق