داوود عبدالسيد مُتشائم في عيد ميلاده: أعداء التحرّر قمعوا «أحلام يناير»

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

مِثل مايسترو مُتحكم في أدواته، نَسّج المخرج السينمائي داوود عبدالسيّد 9 أفلام بحرفية شديدة، حول قضايا يشعر بها، ويتفاعل معها، دون الرضوخ للجمهور أو ظروف أخرى، حجز بها مكاناً في تاريخ الفن السابع.

تبنى «عبدالسيّد»، (مواليد 1946) منذ بداياته في الثمانينيات «سينما المؤلف»، كتب وأخرج أعماله كاملة عدا شريط «أرض الأحلام»، يرى أنه لا يجد بسهولة كاتب يُجسّد رؤيته على الورق: «لا أجد من يُشاركني نفس الهدف. أكتب لنفسي ولا أُخرج للآخرين مهما استهوتني أفكارهم».

يَدخل صاحب «السيد مرزوق» عامه الـ71 غاضباً ومتشائماً، السينما التجارية باتت مُسيطرة، لم نعد نرى أعمالاَ تحوي أفكارا تدعو للتحرر، الصناعة في أزمة: «السينما التجاربة متواجدة منذ الستينيات، لكن بجانبها كانت هناك سينما تتحدث عن العمال والفلاحين وقهر المرأة وقضايا فكرية شائكة. الآن لا توجد سوى السينما التجارية، لا توجد أفلاماَ موجّهة للجمهور، هناك وضع رقابي سيء تحت شعار الأخلاق. الأفلام الحالية تستهدف طبقة مُحددة، الطبقة التي تملك أموالاَ للذهاب إلى دور العرض. الوضع الاقتصادي والاجتماعي حَرم شريحة كبيرة من السينما».

في رأي «عبدالسيّد»، تنحدر الصناعة نحو الاحتكار، لا ترغب «رأسمالية السينما» في تقديم أفلام تدعو للتفكير، ومناقشة القضايا المجتمعية بحرية: «هناك أفلام مُعينة تُفرض من أصحاب رؤوس الأموال على السينما. ولن أقدم فيلماً لن يصل للجمهور».

لم يستسلم للسوق منذ دخوله المجال السينمائي، بعض السينمائيين اعتزلوا بسبب مشاكل الإنتاج، وآخرون قَدموا نفسهم للسوق بصورة متناقضة مع أفكارهم، هو لم يفعل ذلك، لوم يقدم أي تنازلات لخروج أعماله إلى النور، لذلك يغيب سنوات عن السينما: «الغياب مشكلة ظروف عدة، لست المسؤول. ولن أسمح لأحد بإفساد عملي».

يُقدم «عبدالسيّد» أفلاما غالبيتها ذاتية، يَعرف كيف يَحكي عن همومه، عن قضايا المجتمع التي كانت محور أعماله، من بينها شريط «الصعاليك» الذي رَصد فيه ما أنتجته سياسة الانفتاح الاقتصادي. جسّد بطولته محمود عبدالعزيز، ونور الشريف، وتدور قصته حول شابين يعيشان حياة الصعلكة، وسرعان ما يصعدان اجتماعياً ومادياً بسبب سياسة الانفتاح.

الفيلم الذي خرج للنور في الثمانينيات واحد من أبرز الأعمال التي تطرقت لمرحلة سياسة الانفتاح، رَصدها بعين سينمائية، لكن اليوم يرى «عبدالسيّد» أن مصر انتقلت من بدايات الانفتاح وظهور طبقة جديدة إلى وجود تزاوج بين المال والسلطة بدأت في حكم حسني مبارك: «الصعاليك رصدت فيه بدايات الانفتاح الاقتصادي، لكن أبطالي في الفيلم نبلاء وعُصاميين، الآن الوضع مختلف، هناك تزاوج منذ سنوات بين المال والسلطة، معظم الفاسدين حالياً هم في الأساس من طبقة أرستقراطية».

استمرّ «عبدالسيّد» في رصد تحوّلات المصريين، ومناقشة قضاياهم في أكثر أفلامه شعبية «الكيت كات»، المأخوذ عن رواية إبراهيم أصلان. رَصد حالة العَجز التي أصابت المصريين ومنعتهم من قيادة المجتمع للأمام. في الفيلم الذي يصفه بـ«المحظوظ»، لتحقيقه نجاحا لم يتوقعه، الشيخ حسني الذي جسده دوره محمود عبدالعزيز، عاجز عن الرؤية لكنه لا يعترف بالعَمى، وابنه يوسف «شريف منير» عانى من العجز الجنسي، و«هرم» بائع الحشيش عاجز أمام قوة الشرطة.

قَدم المخرج اليساري الفيلم في فترة شعر بها بَعجز المصريين، لكنهم لم يرغبوا في الاعتراف بذلك: «الاعتراف بالعجز أول مرحلة لتجاوزه. المجتمع المصري في فترة مّا كان عاجزاً لكنه يُنكر. نترك التخلف في مجالات عدة، ونفتخر بحضارة 7 آلاف سنة. هذا العجز انتهى مع ثورة 25 يناير».

في رأي صاحب «أرض الأحلام» فإن «25 يناير كانت محاولة للتحرر من الديكتاتورية وقيادة المجتمع للأمام، ولكن أعداء التحرر- وهم كثيرون- قمعوا كل شيء يتعلق بالثورة، أحلامها وأفكارها ورموزها».

إحباط أفكار وأحلام «25 يناير» لم تدفع «عبدالسيّد» لوصف المصريين بالعَجز مثلما وصفهم في الثمانينيات، الآن الوضع مختلف: «المجتمع واعي منذ يناير، لكنه عاجز فقط عن تقديم الحل. هو يدرك جيداَ كل ما يدور حوله، لكنه مختلف حول الحلول، الوسيلة التي سيلجأ إليها لتحقيق هدفه».

قضية أخرى تطرق إليها في فيلم «مواطن ومُخبر وحرامي»، إنتاج عام 2000، «خيانة المثقف»، التي لازالت جدلية في المجتمع المصري حتى اليوم. العمل الذي جسّده الثلاثي خالد أبوالنجا، وصلاح عبدالله، وشعبان عبدالرحيم، حَمل فكرة المثقف الخائن: «شخصية الكاتب في الفيلم نموذج لمثقف خان وظيفته، كان صادقاً، ويعمل على كتابة رواية، لكنه ترك وظيفته، وبدأ يكتب كلاماُ فارغاً، تحوّل من الصدق إلى الكذب. هذا نموذج لكثير من المثقفين المصريين. يوجد مثقفون يخونون أنفسهم والجمهور بسبب السوق».

في رأيه، يحتاج المثقف إلى تغيير بنية المجتمع والنظام في مصر لكي يؤدي دوره: «لازم يكون عندما مجتمع مدني وحياة سياسية وديمقراطية وأحزاب قوية يتفاعل معها المثقف. دون ذلك سيصبح الوضع كما هو عليه. اليوم يجرى قمع وتشويه كل من يدعو لحياة تحررية تدفعنا للأمام».

«عبدالسيّد» غاضب من انتهاك الحريات الشخصية، من سياسة التكفير، وقمع الأفكار التحررية. عَبر عن تلك القضية عام 2010، حينما طرح فيلم «رسائل البحر»، (بطولة آسر ياسين وبسمة)، وحصل على أكثر من جائزة. تدور قصته حول شخصيات تعيش في وضع قهري ناتج عن المجتمع المحيط بها: «قدّمت فيلماَ ليبرالياً يدعو إلى احترام الحريات الشخصية، وقبول الآخر. رسالتي هو إننا إزاي نعيش حياتنا دون الاعتداء على حريتنا».

يبقى فيلم «أرض الخوف»، بطولة أحمد زكي، واحد من الأعمال التي رسخت لمكانته. فيلم تتقاطع فيه تجربته الشخصية مع البطل يحيى أبودبورة، الذي تحوّل من ضابط إلى مجرم بقرار من رؤسائه، بعدما جرى توكيله بمهمة خاصة في عالم المخدرات، مواطن شريف سيؤدي دوره لكشف الفساد، قبل أن يُفاجأ بأن رسائله لم تكن تصل، خيبة سياسية وأيدولوجية أراد «عبدالسيّد» إرسالها عبر العمل: «الفكرة الرئيسية في الفيلم ذاتية جداً، جلينا الذي تربى على شعارات العدالة والقومية والاشتراكية التي رُفعت في الخمسينيات والستينيات، ثم خانها القائد، تخلوا عنها وتركونا ندفع الثمن. هزيمة جيلنا وأفكارنا بدأت مع هزيمة 1967، ثم استمرت مع تغيير الشعارات في الأنظمة المتعاقبة».

كان يَحلم صاحب «قدرات غير عادية» بكتابة رواية منذ نحو 20 عاماً، لكنه تراجع عنها: «حلاوة الرواية الكتابة بحرية، دون رقابة أو جمهور. لكن عقلي وأسلوبي بات سينمائياً. اكتفيت بكتابة السينما، عقلي ليس روائياً»، لكنه رغم ذلك فهو عاشق للرواية، يقرأ معظم أنواع الأدب، ويُبدي إعجابه بجيل الرواية الجديدة في مصر، مستشهداً بعملين لكاتبين من الشباب: «عطارد» لمحمد ربيع، و«في غرفة العنكبوت» لمحمد عبدالنبي: «هذا جيل قادر على التحليق في سماء مفتوحة بعيداً عن الرقابة الأخلاقية».

يَعكف «عبدالسيّد» على كتابة أعمال الجديدة، لكنه ليس متفائلاً: «التفاؤل مشروط بما نراه في الواقع، أرى الصورة سيئة الآن. لا فائدة من عمل لن يصل للجمهور».

أين تذهب هذا المساء؟.. اشترك الآن

المصدر المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق