بيوت الخبرة وبيت الوزير!

صحيفة سبق اﻹلكترونية 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

المجتمعات المعاصرة تقوم على ما يصطلح على تسميته: "المؤسسية"؛ فكل مهام الدولة بما فيها قمة الهرم السياسي حتى أدني المراتب الوظيفية العامة؛ تقوم بها مؤسسةٌ لها هيكلها الوظيفي ومهامّها المحددة بدقة، وخطتها في العمل، والأهداف التي تسعى في تحقيقها.

ولا تعنى المؤسسية في طبعتها الجديدة المتعارف عليها في دول العالم الحديث؛ مجرد وجود هيكل وظيفي وعاملين ورواتب فحسب -فهذه صورة قديمة جدًّا لم تعد تغني شيئًا-؛ فأدنى المجتمعات تخلفًا لديها هذا النوع من المؤسسات؛ لأنها أصبحت بدهية في العصر الحالي.

وإنما نعني بالمؤسسية الجديدة في المقام الأول: وجود خطة خاصة بالمؤسسة أو الوزارة تتناغم وتنتظم مع بقية خطط المؤسسات العامة في الدولة، فهي لا تعمل كجزيرة منعزلة وسط البحار لا علاقة لها بغيرها من مؤسسات الدولة، بل تعمل في إطار منظومةٍ كلية هي جزء منها.

وهذه الخطة ليست خطة خاصة بشخص الوزير مهما كانت خبرته ومؤهلاته وقدراته العلمية والعملية؛ بل هي خطة المؤسسة أو الوزارة، وهي ما يضمن بقاء الخطة واستمرارها حتى إن رحل شخص الوزير بالإقالة أو الاستقالة أو حتى الوفاة.

فنحن بصدد مؤسسة بالمعنى الحقيقي؛ إذا كان للوزارة أو المؤسسة أو الهيئة الحكومية خطة مستمرة، بغض النظر عن شخص الوزير الذي مع بالغ الاحترام ليس من حقه وضع الخطة؛ بل مهمته الإشراف على تفعيلها ووضعها موضع التنفيذ، وهنا تظهر كفاءته وقدرته وموهبته.

فالخطط تضعها بيوت الخبرة وجمعٌ من المتخصصين، ولا يضعها فرد واحد. وكما أسلفنا القول: يجب أن تكون الخطة متناغمة مع بقية الخطط التي تضعها المؤسسات والهيئات والوزارات؛ بحيث نكون أمام منظومة متكاملة تعمل في اتجاه واحد لا تضاربَ ولا تداخلَ في الاختصاصات.

وإذا نظرنا إلى ما يحدث لدينا في مؤسسة التعليم سنجد أمرًا عجبًا؛ إذ التخطيط لا علاقة له ببيوت الخبرة، ولا يسير على نسق أو منظومة متكاملة؛ بل بات الأمر يتقلب في يدي الوزير كيفما شاء، يخترع حينًا، ويحذف أحيانًا، وكأنه يسيّر أمور بيته وليس في مؤسسة ضمن مؤسسات الدولة.

ومن نافلة القول: التأكيد على أن التعليم عصب التقدم لأية أمة، وأن الأمم السابقة في مجال التقدم العلمي والتقني ارتكزت في نهضتها على التعليم، والأمم التي ارتكست وتخلفت عن ركب التقدم هي الأمم التى تنكرت لأهمية التعليم ومحوريته.

وهذه الأمم التي تقدمت لم تكن أهمية العلم بالنسبة لها مجرد شعارات طنانة، أو مؤتمرات براقة؛ إنما كان التعليم بالنسبة لها إستراتيجية محددة الخطوات وهوية واضحة المعالم ومشروع نهضة لا يقف أمامه شيء ولا يتقدمه شيء البتة.

وفي غالب تلك الدول لم يكثر الحديث عن حتمية العلم وكونه قطب الرحى في عملية النهضة، وإنما أكثرت الفعل في التخطيط لعملية تعليمية متزنة ورشيدة باعتبارها مشروع الدولة لا الوزير، ومستقبل أمة لا مستقبل وزارة.

فلا علاقة بين استمرارية العملية التعليمية وخططتها وبين مستقبل الوزير أو تعثرات الوزارة؛ فالوزير والوزارة لتنفيذ سياسية الدولة ورؤيتها في العملية التعليمية وليس لوضع إستراتيجية التعليم وأهدافه؛ فذلك أكبر من الوزير وأبعد في أهميته من أن يُسند إلى وزارة.

حقيقة نقولها بلا مواربة، ولعلها تكون صادمة: إننا تَنَكَّبْنا الطريق الصحيح وأهملنا شأن التعليم حينما جعلناه أُلْعُوبة بيد الوزراء الغادي منهم والرائح، وبعض المسؤولين الذين ليسوا على قدر المسؤولية ولا حجمها.

إن المطلوب هنا من الوزير أو المسؤول ليس فكره الخاص؛ بل قدرته الإبداعية على تنفيذ ما ترغب فيه الدولة؛ حتى إذا ما ترجل أتى من بعده ليستكمل العمل ويضع المزيد من البصمات الإبداعية في التنفيذ واستكمال الرؤية، لا في محاولة فرض رؤيته وسياسته.

المصدر صحيفة سبق اﻹلكترونية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق