متى ١٥/٩؟!

صحيفة سبق اﻹلكترونية 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

هناك حماقة أن تصدِّق أن القمر سيظهر عوضًا عن الشمس يومًا! أو أن هناك أقراصًا ستمكِّن الجرذان من الطيران يومًا! بل حتى لو قُلتها في أحد مستنقعات تعاطي الممنوعات مُذهِبة العقل لقَهْقَه الجميع من حجم الفنتازيا الذي بلغته. ولعلي هنا لم أقتحم مجال الفنتازيا بعد، بل أتحدث عن واقع جرى غير مرة في غرف سوداء مغلقة. لستُ أعلم من أي مستشفى للمجانين تخرَّج تنظيم الحمدين، ولكن أعلم أن سفهاء المعمورة ومجرميها وجدوا فيهم سذاجة لم توجد حتى في بطل الفيلم المصري "العتبة الخضرة" المنتج عام ١٩٥٩م.

قد لا يكون أغلبنا - وأنا أحدكم - قد عايش هذا الفيلم، وهو يحكي قصة حقيقية حدثت بالفعل عام ١٩٤٨م في مصر، حين استغل نصَّاب سذاجة أحد القرويين إلى جانبه في الترام (وهو وفق معجم المعاني الجامع: مركب عام يسير بالكهرباء على قضبان حديدية في المدن وضواحيها)، وادعى أنه يملكه؛ وسيبيعه إياه بسعر زهيد؛ لكونه لاحظ طيبته وحبه للمنطقة التي جاء منها القروي. وبالفعل استلم (عربون) بيعه، ووقَّع على عقد صوري عند صديقه المحامي. ولم تكلِّف النصّاب كذبته إلا شيئًا يسيرًا ليتغلب على استذكاء القروي الساذج: إكرامية بسيطة لمأمور الترام للاهتمام بالعميل القروي البسيط. واختفى النصّاب مع (عربون) ترام مصر.

إن ما وجده الحمقى من قائمة سفيه لندن وغانم، وسواهما في تنظيم الحمدين وقيادة قطر الحالية، من أطماع حوَّلتهم لسذج، جعلهم يتمادون بالوعود والأحلام المدفوعة من استثمارات الشعب القطري في العالم، التي حوَّلها التنظيم الزائل لدعم الإرهاب والإجرام على مستوى العالم، بداية بأقرب الجيران، وليس نهاية بأقوى دول العالم.

يشترك المجرمون دائمًا في الظن أن المال يشتري كل شيء، ولكنهم لا يعلمون أو لا يتقنون استغلال المال في دعم التوجهات الحسنة؛ فالمال وإن اشترى حب المنافقين لن يتمكن أبدًا من شراء وفائهم. أقنع مستشارو حاكم قطر السابق ووزيرُ خارجيته أميرَ البلاد بأن أموال الشعب التي استولى عليها سيتمكن من خلالها من خلق كذبة عظيمة. ونجح بالفعل، وأدخلوه بأمواله داخل بالون هلامي عملاق؛ فاشترى دينًا، فُصِّل على مزاجه بشياطين برتبة وعاظ، وجدوا في الدوحة مبتغاهم من مال وإعلام وسلطة وسواها، ونجح بتجنيدهم كبير مستشاري حاكم البلاد عضو الكنيست الإسرائيلي من عام ١٩٩٦م حتى ٢٠٠٧م، بعد الصفقة المشبوهة بين الكيان الإسرائيلي وحاكم قطر المنقلب على والده. وفعلاً أوفى "عزمي بشارة" - على غير العادة - بقسمه الذي كرره ثلاث مرات في ثلاثة انتخابات فاز بها بالأرض المحتلة بأن يكون ولاؤه فقط لإسرائيل؛ فدبَّر عزل قطر منذ انتقل إليها مستشارًا للحاكم فيها؛ إذ عزلها عن محورها الإسلامي والعربي والخليجي، وقاد أمير قطر حمد بن خليفة إلى تهيئة العالم العربي للثورات، ودعمها، بل تقبَّل التنظيم الإرهابي (الإخوان المسلمين)، الذي دعمه بكل ما يملك من مال وإعلام وعلاقات، حتى بلغوا سدة الحكم في عدد من الدول العربية، ولكن هيهات أن يتغلب المكر على أمة بنت أعظم حضارة على مر التاريخ، وأسست العلوم المختلفة، وتركت للبقية الهوامش؛ فنحن أمة أعزنا الله بأن منا آخر الأنبياء، وأنزل كتابه الكريم بلسان عربي مبين.

الأمة العربية أمة عظيمة؛ فعلى سبيل المثال: الأدوات الجراحية التي نستوردها الآن من الغرب ابتكرها بالتصميم ذاته جراح مسلم عربي، يُدعى أبا القاسم الزهراوي في القرن العاشر، وعلم الجبر خرج به أولاً العالم العربي محمد بن موسى الخوارزمي في القرن التاسع، فضلاً عن البريد والدروع المعدنية، وكذلك العطور التي بدأت صناعتها في القرن الحادي عشر بعد نجاح العالم العربي ابن سينا في استخراج شذى العطور، والقلم الحبر؛ إذ اخترع قلمًا، يُستغنى به عن الدواة الحاملة للحبر. والطيران والباراشوت سبق بهما الفلكي المسلم عباس بن فرناس المعمورة خارجًا بها في عام ٨٢٥.. وسوى ذلك الكثير من الاختراعات والاكتشافات؛ فأمة كهذه كيف سيقبل ورثتها أن يكونوا مجرد هامش لمتن فيه دولة حديثة في أقصى شرقها؟! وكيف سيقبلون أن يقودهم مجرم إرهابي، باع أمته وأقسم على الولاء لمحتل أرض أجداده؟!

آخر صرعة خرج بها تنظيم الحمدين وحكومتهما الهشة أن ظنوا أنهم نجحوا بالتوغل في المجتمعات المحيطة بهم، وأنهم من يقودون الحراك المجتمعي فيها عبر شراء ذمم بعض أراذل أهلها، أو هكذا توهم رئيس مركز أبحاثهم، وتوجست شرذمة في مدن عالمية أن حساباتهم ذات الأسماء المستعارة والأرقام المليونية من المتابعين الوهميين ذات تأثير بالسعودية؛ فدعوا إلى ما يُدعى ثورة حنين بالسعودية، ومرت بخفَّي حنين، ولا عجب أن لا نسمع عنها إلا في مواقع التواصل الاجتماعي؛ ليغريهم ما يسمى بتنظيم "داعش" الإرهابي بتدميره بمعية ملالي إيران مظاهر الحياة وأصغر متطلباتها في العراق وسوريا؛ ليدبروا بتنسيق مع ثلة من المرتزقة تفجيرات عدة تزامنًا مع وقفة احتجاج في ١٥ سبتمبر؛ ليوهموا المجتمع السعودي مع دعوات الإرجاف بتفكيك تلاحم الشعب بقيادته، وإضعاف ثقتهم برجال أمنهم.. ولكن، ورغم دقة حبكة المجرمين، إلا أن الله حمى عبيده، وكفاهم شر مَن به شر؛ ففي السعودية أكثر الأجهزة الأمنية براعة وإخلاصًا وتفانيًا؛ فتم كشف المخطط القذر بفضل الله، ثم براعة رجال أمن السعودية.

إن ما لا يعلمه تنظيم الحمدين، ويحاول مستشاروهم تجاهله، العمق التاريخي لهذه البلاد؛ فلا التقنية ولا التطور سيضعفان ولاء أهل هذه البلاد، ولن ينسياهم عمقهم والحضارة التي ورثوها أبًا عن جد.

نعلم نحن العرب والمسلمين أنه كلما غاب الإيمان عن الأرض ظهر أحد أنبياء الله أو رسله، وأن نبينا محمد ﷺ هو آخر الأنبياء والمرسلين في هذه الأرض حتى يوم الدين، وسيظل الله يُعبَد على هذه الأرض حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وسيظل دينه الإسلام وكتابه القرآن الكريم حتى بعد نزول عيسى عليه السلام، وسيحكم بهم الأرض، وشرفنا الله بأن جعل كل سعودي خادمًا لبيت الله الحرام ومسجد رسوله الكريم ﷺ، بداية بمليك يعظَّم بتلقيبه بخادم الحرمين الشريفين، ومرورًا بمملكة تنص إحدى مواد دستورها على إعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما، وتوفير الأمن والرعاية لقاصديهما، بل أولى مواد دستور السعودية تؤكد عروبتها وإسلاميتها، وتشدد على أن كتاب الله وسُنة نبيه ﷺ دستورها؛ لذا فأي تكليف هذا على أمتنا السعودية؟!

كم هو شعور جميل أن نعايش يوم الخامس عشر من سبتمبر، اليوم الذي استدعى كل مواطن سعودي إلى الشعور بالفخر، حين رأينا شباب هذا الوطن يصفعون أعداء الوطن بضرب أروع الأمثلة بالوفاء لهذه الأرض ولقيادتها الحكيمة.. ولا عجب؛ فهم ورثة الجيل الأول الذي ضرب أروع الأمثلة على الإخلاص والوفاء بوقفته الأبية خلف قيادته، ورفضه الفوضى والعبث بأشكالهما كافة.. وما نحن إلا حملة هذا الشرف والتكليف العظيم، وسنظل أوفياء كما كان آباؤنا.. فأين نجد لنا وطنًا كمملكتنا؟! ولا أخفي أني لو خرج شخص واحد في ١٥ سبتمبر في وقفة ضد مملكتنا كنت أنوي اعتزال الإعلام نهائيًّا، ووضعي للاستمرار في المجال طرفًا في الرهان على الأخوَّة للشباب السعوديين العزيزين.. فمن كان يتوهم أن هناك من الشعب السعودي من سيفرط ببلاده، كمن كان يسهر الليل أثناء حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م مصدقًا كذبة ظهور صورة الرئيس العراقي صدام حسين على القمر؟!

الشعب السعودي أثبت أنه قوة لا يمكن أن يستهان بها؛ فها هو يلقن كل من تجرأ وتوهم أن لديه نفوذًا في مجتمعنا؛ إذ لقنه درسًا لا يُنسى.. فكيف ينسى والسعودي لا يمل ولا يكل مَن صفعه في كل اتجاه، فأخبروني أين هي قناة الجزيرة التي كانت تظن قطر أنها سلاح إعلامي؟ وماذا فعل بها السعوديون؟! وكيف أن حتى إعادة تغريداتها في موقع "تويتر" أضحت بالدولار، بعد أن فقدت العملة القطرية أي قيمة؟ وكيف وكيف؟... الشعب السعودي اليوم قوة تزلزل أي أرض، ومواقع التواصل الاجتماعي مثال بسيط على زلزلة أبناء الشعب الوفي لأي شأن كان يريدون زلزلته.

الحمد لله على نعمة بلادنا وقيادتنا وشعبنا.

تويتر: @SALEEH10

المصدر صحيفة سبق اﻹلكترونية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق