وطنية.. لا قبلية.. لا طائفية

صحيفة سبق اﻹلكترونية 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الأسبوع الماضي وافق مجلس الشورى على ملاءمة دراسة مقترح "نظام مكافحة التمييز وبث الكراهية". وهذا النظام يتكون من 29 مادة، ويهدف إلى تجريم التمييز ضد الأفراد والجماعات بسبب اللون أو العرق، والحيلولة دون نشر النعرات القبلية أو المناطقية أو الطائفية أو القائمة على التصنيف السياسي والفكري.. وفي المقابل، وبـ "الأمس القريب"، قام بنك محلي (وطني) بإطلاق (دعاية) لمنتج معين لديه، استخدم فيه مشهدًا "تمثيليًّا"، أساء فيه لشخصية (كركتر) لأحد أبناء القبائل "البادية"؛ ما جعل هذه الدعاية "الإساءة" تتمخض عن (هاشتاك)، وصل إلى (الترند) عبر منصة (تويتر). كنا ننتظر من هذا البنك وغيره من البنوك، وعبر منتجاتها التي تسوقها لنا كعملاء، المشاركة الفاعلة في برامج مجتمعية وتنموية وتطوعية، تصب في خدمة المجتمع، خاصة المساهمة حول صناعة المبادرات المجتمعية في التعايش المجتمعي والتلاحم الوطني؛ لتعزيز "اللحمة الوطنية"، وتعزيز التعايش، ونشر ثقافة التسامح والمحبة بين أطياف المجتمع السعودي.. وإذا بنا نُفاجَأ بقيامها بـ "ضرب" الوحدة الوطنية بإشهار (أعتبره سقطة غير مقصودة من هذا البنك الوطني)؟!!

لذا يجدر بنا أن نطرح (نسدح) سؤالاً "بالبنط العريض": ما هي الوطنية؟ سؤال قد يبدو سهل الإجابة، لكنه في الحقيقة صعب!! ذلك أن مصطلح الوطنية من أكثر المصطلحات حاجة إلى الدراسة والتحليل، ومن ثم التطبيق؛ بالنظر إلى كون الانتماء حاجة متأصلة في طبيعة النفس البشرية؛ فإنسان من غير وطن ضائع، ووطن من غير إنسان مهجور؛ لذا تعددت مفاهيم الوطنية وتعريفاتها؛ فمنها ما يحمل معنى عاطفيًّا وانتماء وجدانيًّا للمكان الذي ألفه الإنسان، ومنها ما يحمل معنى فكريًّا، يفضل فيه الميل للمكان الذي توافق سياسته التوجهات "الأيديولوجية" للإنسان، ومنها ما يؤسس لمعنى قانوني، يعبر عن واجبات المواطن وحقوقه تجاه وطنه كيفما كانت سياسته وأيديولوجيته (معتقده).. لكن الوطنية السعودية في مفهومها الصحيح هي أن تظل أمينًا على مبادئ دينك، وفيًّا لها، مساهمًا في مسيرة بناء وطنك، مدافعًا عنه، واقفًا كالإعصار ضد كل من يحاول النَّيل منه؛ لأن الوطنية قبل كل شيء تعبير اجتماعي لعملية انتماء وعطاء الإنسان للوطن الذي يعيش فيه، وللدين الذي يدين به؛ ذلك أن علماء الاجتماع يرون أن المجتمع القوي في تضامنه هو مجتمع غني بالمواطنة. هذا التضامن الذي يكون بمنزلة حاجز يحول دون تآكل المعاني المشتركة والمعتقدات (المذاهب) الدينية التي تجمع أفراد المجتمع فيما بينهم، وتصهرهم في قالب واحد، يشكل الوطن؛ الأمر الذي يجعلهم يتفادون الأنانية والفردية المادية المفرطة التي تمثل معول هدم لمقومات المواطنة؛ فبتفادي هذه الفردية نضمن بناء المجتمع وتطوره. وعلى هذا الأساس يمكننا أن نقول إن الوطنية بطبيعتها العامة يجب أن تشتمل على التعددية الفكرية دون أن يؤدي ذلك إلى القطيعة، بل الواجب أن تؤدي إلى التلاقح الثقافي الفكري؛ وهذا ما يجعل الوطنية عبارة عن مزيج من القيم الأخلاقية السياسية، والقيم السلوكية الاجتماعية على تنوعها واختلافها.. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بينها؛ لأن مفهومها يستوعب مجالات مختلفة في واقع حياتنا الاجتماعية "المقيد" بحدود الزمان والمكان. لكن المتتبع لواقع المجتمع السعودي ومسيرته يجد أن (الوطنية السعودية) تواجه في الوقت الراهن تحديًا كبيرًا في ظل الموجات العالمية من التغريب الحضاري والفكري والثقافي والإعلامي والتربوي، وصراع (صدام) الحضارات، واجتياح العولمة الغربية للخصوصيات الثقافية و"القبيحة غير الغربية"، خاصة فيما يحدث الآن في العالم العربي من احتقانات وأزمات، تجتاح الشوارع والميادين العربية، بل الفكر والمزاج والسلوك العربي بمختلف ألوانه ومستوياته.

أخيرًا.. (الوطنية السعودية) هي (الآن) في أشد الحاجة إلى مجهودات وأطروحات رجال العلم والثقافة وعلماء الدين والاجتماع والسياسة من أبناء الوطن؛ للعمل في إطار جماعي من أجل وضع شروط جديدة للتناغم والتكامل في بنية (الوطنية السعودية)؛ فهذه التعبئة التي انطلقت فيها مملكتنا (مملكة الإنسانية) منذ نشأتها تحتاج إلى جهود ومشروعات متعددة لاستيعاب ومواجهة الآثار السلبية للتعددية الثقافية في مجتمعنا؛ إذ ما زالت القبلية والإقليمية لها (بعض) النفوذ السلبي في الحياة اليومية، وما زالت المنظومة الفكرية للأفراد تعيش في حدود ضيقة. ومثل هذه الظواهر الاجتماعية السلبية تجعل من الصعب حدوث تلاقٍ أو "تلاقح" بين الرؤى والاتجاهات والثقافات، وخصوصًا مع المتغيرات العصرية المتسارعة. والحكم نفسه ينطبق على ظواهر التعصب و"التشدد" وغير ذلك من الظواهر السلبية التي تعوق حركة الاتساق في الفكر الوطني السعودي؛ ذلك أن المرحلة التاريخية الحالية تفرض علينا نحن أبناء الوطن الواحد قدرًا كبيرًا من المرونة الفكرية التي تؤدي إلى الشعور بالمسؤولية الوطنية، سواء من جانب الفرد العادي، أو من جانب المثقف السعودي. ولا شك أن الجميع يدرك أنه لا يمكننا بلوغ هذا الهدف إلا بإذابة جليد التناقضات وأسباب العزلة الفكرية والنفسية بين (بعض) أفراد مجتمعنا، وخلق جو من التحاور بين أفراده؛ ليتمكنوا من المناقشة الجادة بهدف الوصول إلى ترابط فكري يساعد على التكيف الوطني مع ظروف المجتمع وتحديات الداخل والخارج.

المصدر صحيفة سبق اﻹلكترونية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق