"الغوطة" .. بلاد العلماء السُّنَة وفاكهة "المشمش" .. من عذوبة الماء إلى جحيم ودماء

صحيفة سبق اﻹلكترونية 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
500 قتيل في أسبوعين .. "لماذا الآن"؟!

شهدت الأزمة السورية خلال الأشهر القليلة الماضية ركوداً في الواقع العام أشبه بالهدنة ووقف إطلاق النار بين قوات النظام وعناصر المقاومة والسكان، إلا أن أدخنة الجحيم بدأت تتصاعد في سماء "الغوطة الشرقية" مجدداً، راح ضحيتها 500 قتيل منذ 18 فبراير الماضي.. فلماذا الآن؟! وماذا تعرف عن الغوطة؟

"الغوطة" منطقة ريفية منبسطة تحيط بمدينة دمشق من الشرق والغرب والجنوب، وتتبعها إدارياً، وهي سهل ممتد عبارة عن بساتين غناء من أشجار الفاكهة، وتعد من أخصب بقاع العالم، وعبارة عن غابة من الأشجار المثمرة البساتين وكان القدماء يعدونها من عجائب الدنيا.

كما تشتهر بخصوبة الأرض وعذوبة المياه، حيث تغذي بساتينها مجموعة من الأنهار الصغيرة، من فروع نهر "بردى"، وتنتج شتى أنواع أشجار الفاكهة والخضراوات، ومن أشهر فواكه وثمار الغوطة المشمش بأنواعه البلدي والحموي والتوت "التوت الشامي" والخوخ والأرصية، والدراق والكرز والجوز، وكذلك تشتهر بزراعة جميع أنواع الخضار والذرة الشامية الشهيرة والزهور.

وتقسم الغوطة إلى قسمين متصلين هما: الغوطة الغربية والغوطة الشرقية.

و"الغربية" تتبعها مدن وقرى "ربوة دمشق"، والمزة، وكفر سوسة وداريا.. أما "الشرقية" فتتبعها مناطق وقرى وبلدات مثل دوما، وزملكا، وجرمانا، والمليحة، وعقربا، وحزّة، وكفر بطنا، وعربين إلى أن تلتقي بالغوطة الغربية لتكمل احتضان دمشق بالبساتين.

تاريخياً، يمتد في الغوطة كثير من الآثار القديمة التي تعود لعصور متعددة ويوجد بها 15 ديراً تاريخياً أثرياً، ومجموعة من التلال والمواقع الأثرية مثل: "تل الصالحية"، ويقع على بعد 14 كم، وفيه آثار من العصر الحجري القديم، و"تل أسود" ويقع إلى الشرق يحتوى على آثار تعود للعصر الحجري الوسيط والقديم، وكذلك "تل المرج" ويقع في منطقة حوش الريحانة، و"تل أبو سودة" بالقرب من المرج، وآثار كثيرة في جسرين "ترما" و"حران العواميد"، وبلدة حمورة التي تعرف الآن بـ "حمورية".

وينتشر أيضاً في "غوطة دمشق" عديد من المزارات الدينية والمقامات وقبور الصحابة، مثل مقام السيدة زينب في قرية السيدة زينب؛ في الغوطة جنوبي دمشق، وقبر الصحابي مدرك بن زياد الفرازي؛ ومقام إبراهيم الخليل؛ في منطقة برزة، وقبر الصحابي عبدالله بن سلام؛ في منطقة سقبا، وكذلك قبر ومقام سعد بن عبادة الأنصاري؛ في المليحة، وعدد من المقامات في "داريا" منها: مقام أبي مسلم الخولاني؛ ومقام أبي سليمان الداراني؛ وجامع المقداد بن الأسود في؛ "ببيلا" ومقام الخضر؛ في جرمانا، ومزار عبد الله بن عوف؛ في معضمية الشام.

وفي العصر الحاضر أصبحت الغوطة منارة للعلم والعلماء السنَة، ولا تغيب عن الأنظار المساجد، ولا عن المسامع صوت الأذان، وظل أهلها محافظين على العادات والتقاليد وفق منهج السنة والجماعة، كما ساندوا حكومات البلد وشاركوا في نهضة سوريا طيلة العقود الماضية.

ويعد الجزء الشرقي منها إحدى بوابات المرور إلى العاصمة دمشق، وكان عدد سكانها قبل الربيع السوري عام 2011 م يتجاوز مليوني نسمة، وهي قريبة جداً من المطار الدولي.

تقول وكالة "فرانس 24": التحقت الغوطة الشرقية بركب الثورة على نظام بشار الأسد منذ انطلاقها في مارس 2011، إذ شاركت مختلف المدن والبلدات في الاحتجاجات السلمية، لكن تصدي قوات النظام لتلك الاحتجاجات أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، ومع أخذ الثورة منحى عسكرياً شهدت مدن وبلدات الغوطة مواجهات مسلحة عنيفة بين فصائل المعارضة وقوات النظام حتى فقدت الأخيرة سيطرتها عليها في عام 2012، ثم عادت قوات النظام السوري للغوطة الشرقية مجدداً في العام التالي 2013 بحصار محكم من كل الجهات وقطع لكل الطرق الموصلة إليها، مما زاد من معاناة سكانها الإنسانية وتسبب في نقص الإمدادات الغذائية والطبية وساهم في تعطل المستشفيات والرعاية والمعاناة من المجاعة تقريباً.

وتعد الغوطة الشرقية أحد أكبر معاقل الفصائل المعارضة السورية، وتحكم السيطرة عليها تنظيمات "جيش الإسلام" و"فيلق الرحمن"، التابع للجيش السوري الحر، و"هيئة تحرير الشام" التي تضم "جبهة النصرة" سابقاً.

ومعظم المقاتلين في هذه الحركات هم من أبناء المنطقة بحسب المرصد السوري.. ويستهدف النظام السوري هذه التنظيمات "الإرهابية"، كما يدّعي، بالهجمات والحملات العسكرية ويقصفها من جبل قاسيون المجاور الذي تتمركز فيه أهم قواته، لكن القصف يطول في معظمه المدنيين وجُل الضحايا هم من الأطفال والنساء، حسب منظمات إنسانية.

وأضافت، تتمتع الغوطة الشرقية بموقع إستراتيجي مهم، فهي ملاصقة للعاصمة دمشق وقريبة من مطارها الدولي، كما أنها ليست بعيدة عن مواقع عسكرية مهمة، مثل مطار مرج السلطان وإدارة المركبات، لذا فإن وجود فصائل المعارضة فيها يجعل العاصمة دمشق عرضة وهدفاً سهلاً لهجماتها، وهو الأمر الذي يؤرق النظام وحلفاءه.

وفي 18 فبراير 2018، بدأ النظام السوري المدعوم من روسيا حملة عسكرية على الغوطة الشرقية، وأسفر القصف الجوي والصاروخي عن سقوط مئات القتلى. ويوم 24 فبراير أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن عدد القتلى فاق 500 قتيل في الأيام السبعة الأخيرة السابقة على هذا التاريخ، أغلبيتهم من الأطفال والنساء.

كما اكتظت مستشفيات الغوطة بالمصابين، وقال "اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية في سوريا" إن القصف طال مستشفيات عدة بالغوطة.

وكشفت الوكالة "إنسانياً" أن سكان الغوطة يعانون نقصاً شديداً في الغذاء، لدرجة أنهم يأكلون القمامة ويفقدون الوعي بسبب الجوع ويجبرون أطفالهم على التناوب على تناول الطعام.

ويرفض النظام دخول قوافل الإغاثة إلى الغوطة ويعرقل بكل الطرق الممكنة جهود المنظمات الإغاثية المحلية والدولية بما فيها الأمم المتحدة لإدخال المساعدات إلى مدن الغوطة ويشترط حصول هذه القوافل على تصاريح منه، والآن لم يتبق من المليونين نسمة سوى 400 ألف نفس فقط بفعل القتل والتهجير والدمار.

المصدر صحيفة سبق اﻹلكترونية

أخبار ذات صلة

0 تعليق