المواطن المحلى والأسعار العالمية

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أمس الأول وقبل يوم واحد من ذكرى 30 يونيو، وقبل الدخول فى الموازنة الجديدة، اعتمدت الحكومة الزيادات فى أسعار الطاقة، التى أعلنت عنها فى وقت سابق وأصرت عليها، ووقف الرئيس نفسه مدافعاً عنها وناهراً من يطلب أو يرجو تأجيلها.

الحكومة تجتهد لتدبير المليارات التى يمكن أن تسهم فى خفض عجز الموازنة، وتسير وفق روشتة صندوق النقد المرتبطة بالقرض، وتتجه لإصلاحات يكاد يكون متفقاً عليها وسط خبراء الاقتصاد، وكان طبيعياً أن تمد يدها إلى ملف الطاقة، لكن بناء السياسات لا يقتصر فقط على اتخاذ قرارات الجباية السريعة، لكنه لابد وهو يبنى القرار أن يرصد تداعياته، وينظر فيما لديه من أدوات وإجراءات لتقليل هذه التداعيات وتخفيفها.

من يمول خطط خفض عجز الموازنة؟

تعال لننظر إلى قرار رفع أسعار الطاقة فى أول تطبيق عملى، بمجرد أن تحدثت وسائل الإعلام عن الزيادات ومهدت لها وقبل تنفيذها رسمياً، ارتفعت الأسعار فى موجة تمهيدية ثم عادت فور تطبيق الزيادات للارتفاع، خصوصاً أسعار المواصلات بنسب تتراوح بين 30 و50 فى المائة.

لاحظ أن تلك هى الموجة الثالثة لارتفاع الأسعار خلال 3 أشهر فقط، والموجة الرابعة أو الخامسة منذ بداية ولاية الرئيس السيسى، وخلال الـ8 أشهر الماضية تحركت أسعار الطاقة ثم جرى تعويم الجنيه، وعادت أسعار الطاقة لتواصل صعودها.

زيادات أسعار البنزين والسولار تعنى، ببساطة ودون حاجة إلى تخصص، رفع أسعار النقل، سواء نقل الركاب، أو البضائع. من الذى سيدفع فاتورة هذه الزيادة؟ مواطن ارتفعت فاتورة مصروفاته فى الانتقال، وارتفعت فاتورة استهلاكه بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية التى يبرر التجار ارتفاعها بزيادة مصروفات النقل، وسترتفع فاتورة مدارسه لأن سيارات المدارس سترتفع أسعارها بسبب ارتفاع أسعار الوقود.

لكن الحكومة الملتزمة بنص الدستور بتحقيق العدالة الاجتماعية، وهى تحرك الأسعار، الأرجح أنها لا تستهدف أن يمول لها الفقراء عجز الموازنة، هى أيضاً تحاول توزيع العبء على جميع المصريين، وأيضاً سيطول الرفع أسعار الطاقة المقدمة للمصانع كثيفة الاستهلاك، لكن ماذا بعد رفع هذه الأسعار؟

سترتفع أسعار المنتجات جميعها، وعلى رأسها الحديد والأسمنت، وبارتفاع أسعار الحديد والأسمنت، سترتفع أسعار العقارات، وسيدفع المواطن فاتورة كل الأسعار الجديدة.

■ ■ ■

رفع أسعار الوقود ليس مجرد قرار عابر. التداعيات حوله كثيرة ومتنوعة، والتعامل أيضاً مع ملف دعم الطاقة ضرورى، ولأول مرة هناك ثقافة جديدة تتفهم كل هذه الإجراءات القاسية، لكن الدولة، وهى ترفع أسعار الوقود، لا تملك ما تقدمه للتحكم فى أسعار الخدمات المرتبطة بالوقود غير التصريحات التى يثبت بالتجربة فشلها فى كل موجة ارتفاع أسعار، فلا هى تملك أسطول نقل عام آدمياً ومتوفراً بكثافة لتعوض المواطن ارتفاع تكلفة مواصلاته، ولا تستطيع أن تفرض تسعيرة جبرية على السلع، لأن ذلك يتنافى مع اقتصاد السوق. والأجور شبه ثابتة لا تتحرك والعلاوات المقررة عليها وحتى على البطاقات التموينية لا تسمن ولا تغنى أمام الصعود المتتالى لأسعار كل شىء، بما يعنى إلقاء المزيد من المواطنين تحت خط الفقر، ويعنى أن كل مقدم خدمة لن يتضرر من زيادات أسعار الوقود، لأنه سيعوض الزيادة من جيوب المواطنين، وبالتالى فإن المواطنين هم الذين سيمولون عجز الموازنة وليس غيرهم، هم من سيتحملون كل العبء، لا الشركات، ولا المصانع، ولا التجار، ولا أصحاب سيارات النقل. فقط كل من يعيش على أجر شهرى ثابت لا يتحرك مع تحرك الأسعار، فى ظل نظام اقتصادى يسمح ببيع المنتج بالسعر العالمى لمواطن لا يتقاضى أجراً بأى سعر عالمى.

■ ■ ■

تملك الحكومة أن ترفع أسعار خدماتها ومنتجاتها لتعويض عجز موازنتها أو تمويل برامجها الاقتصادية والخدمية، ويملك رجال الأعمال رفع أسعار منتجاتهم وخدماتهم، ويملك سائق الميكروباص رفع أجرة الركوب، ويملك المدرس رفع ثمن الحصة والطبيب رفع ثمن الكشف، وحتى بائع الخضار المتجول يملك رفع سعر بضاعته ليمول الفارق، لكن ملايين الموظفين فى الحكومة والقطاع الخاص الذين لا يملكون إلا أجوراً ثابتة ومحددة لا تتحرك إلا بالضالين.. ماذا يملكون أمام تراجع فادح فى قدرة أجورهم الشرائية وقيمتها وما باتت تمثله أى مدخرات لديهم؟! هؤلاء من تطحنهم الإجراءات وتجرهم جراً عنيفاً لأسفل باتجاه الفقر.

تجتهد الحكومة واقتصاديوها ورجال الأعمال فى إقناعك بأننا نعيش مرحلة استثنائية، ولابد أن نقبل بالإجراءات الصعبة، فيما يرفضون، مثلاً، تحديد الربح بنسبة معقولة من تكلفة الإنتاج، أو ضبط الأسواق بأى وسيلة ناجزة أو وضع منطق لارتفاع سعر كل سلعة وخدمة يتماشى مع الأرقام والنسب التى يتحدثون عنها مراراً.. أليست مرحلة استثنائية.. أم أن الفقراء فقط هم المطلوب منهم تمويل كل استثناء؟!.

sawyelsawy@hotmail.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق