لحظة من فضلك

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

هربت عيناي من الحروف والجمل.. خبأتهما في فكي أسفل لساني كحمصتين أو حبتي عدس.. ذرات تراب تاه عن مكانه.. تدثرت أنا بجلدي.. وشددت عظامي لأكسو  أصابع قدمي بلا فائدة..

وضعت الطين على رأسي والطوب والروث ومعهم البهائم؛ لعلِّي أحيد بما يمور في عقلي من حمم بعيدًا.. أغور شاردًا.. إلى أي مكان أحفره بخيالي.. أصنعه بأنفاسي وخلاياي المتوقة للحرية..

تعرف الشمس طريقي ليلاً، ويزورني القمر أينما كنت.. ألا أعرف دروبهما؟ ألم تطل ساعات وحدتنا سويًّا؟ ألم أتلفّح بهما وهما يلتصقان في أردية السماء.. وعيناي وقلبي ولساني وعقلي.. غرستهم وليالٍ لا  أحصيها.. جميعهم نسيتهم هناك في علٍ..

صنعت المستحيل.. والأصوب صنعني، وهيأني المستحيل.. فلم أجد إلا أحق خيار على الأرض منذ أن بصق الإنسان بالقذر فيها “وهو المقاومة”.

سيدي لم تُشِح بوجدانك بعيدًا عن همساتي.. ربما أكون.. أو تكون لحظتك الآن..حالاً هي الأخيرة.. ألا تستحق أن تختمها بنُبل وصدق قبل مفارقة أرض تقلك وسماء يشهد من فيها عليك خلاف من جبلهما الله علي فوق كتفيك؟

سيدي ألا أستحق أن تطل.. ليس برأسك أو بناظريك في رأسي؟ أنا أدعوك أن تجلس راضيًا مختارًا مستكينًا.. مرحبًا بك داخل حشايا وجداني.. ترى مشاعري في ثوبها الأصلي..فإنما هي لحظة.. أو لعلها أقل.. ربما تكون أتت ومرت ولن تعود، وربما هي الآنية.. والسطور بين يديك وقلبي بين حدسك وفكرك ومبادئك.. الآن أنت الحكم الأوحد القاضي ومنفذ المشيئة.. وأنا أقبل بك أيًّا ما كنت.. أنا أخاطب إنسانيتك.. وأظن أن الإنسانية لو غادرت.. فتوقيت عودتها في يد من كانت بحوزته.. وبأيّ لحظة.

هذه هي حياتي إذن يا سيدي ..

أسلوب يتدرب عليه الموهوبون بالأجهزة الأمنية السرية.. وهي كيف تعيش وأنت “عميل” موفد لتأدية مهمة لوطنك، ومعلموك يعلمونك أن الوطن هو الأم.. بل هو الحامي للأم؛ لأنه الحاضن لكل أم.. وليس الأبناء فقط وكل شيء من الذكريات حتى الرفات بعد الممات.. با الله كيف أشرح كلمة وطن!

هذه هي حياتي يا سيدي.. نعم أنا هنا في بلدي لست عميلاً لأي جهاز  لا أمني ولا غيره..ولست عميلاً أيضًا لنفسي ولا كبدي اللذين بين أضلعي..

أنا هنا مواطن.. أقفل عينيَّ صباحًا.. أجد اللافتات العبرية  تحاصرني.. تكسو المحلات التجارية مصحوبة باختصارات إنجليزية.. ومؤخرًا لاتينية.. وفرنسية.. أما العربية لغة بلدي المكسو بدماء الخيانة والعمالة ممن باعوا عزتهم بالتبعية داخليًّا قبل خارجيًّا.. العربية غريبة في وطني. كنفسي التائهة بين النفوس الساهرة كل ليلة منذ الصغر تحصي..ماذا حقق الكيان الصهيوني من أمجاد باحتلاله يافا عطر البرتقال..وشذى الزهور الطاهرة..كم تكسب وتحقق الدولة العبرية ويحصد اقتصادها.. قبل غروب شمس بلد “الإسراء والمعراج” كل ليلة.. وأبنيتها تزدان بالحروف العبرية الدالة على نشاط كل هيئة ومصلحة وأعمدتها الخرسانية رشقت في قلوب أمهاتنا الحوامل من بيوت الخليل حتى مقر اللاجئين منهن في “صبرا وشاتيلا”.. إذا كان هذا الواقع لا يوحي بكتابة مرثية بدمائنا عن تفريط أمة في الأرض  المقدسة بزيارة جبريل حامل أمانات الله إلى أوليائه قبل أنبيائه.. فما الذي يوحي إذن؟

أكتب إليكم إخوتي ولون بشرتي وامتداد دمائي وسمائي وأرضي وحماة عرضي وأصل نسبي.. نحن أمة العرب في علبة “سردين”.. واحدة ترج كل يوم في يد الأعداء حتى يستقيم المجموع ويتسق في عجينة واحدة.. ومن يشذ عن المراد.. ويطالب بالحرية أو وأد التبعية أصل أزمات الشعوب الحرة – يفزع إليه لاعقو الأحذية– خدام السلطان “المدجّن” يبيض، ويفقس يتغوّط ويأكل شأن الدواب – يحتشدون ضده يطلقون السهام عليه لوصمه بما لا يليق حتى يتم التشويه.. ويضيع المضمون، وتصرف الهمم في مسالك يرضى عنها المحتل..

سيدي أكتب الآن.. لحظة من فضلك.. لأبناء جلدتنا ممن لا يعرفون.. أو لا يفهمون ومعهم الأعذار والأسباب.. لا تثريب عليهم اليوم يغفر الله لنا ولهم.. وإنما.. أن يبخس إنسان دور المقاومة.. أن يتشدق لسان – والله اللسان يتبرأ من صاحبه حينها – ويوصم ويقلل جهد الشباب وقود الحياة من إخوتنا ويتهمهم بالجنون.. وبأنهم من يستفزّ الكيان الصهيوني – أو يقول دعهم يشربوا من البحر، أليسوا هم من أقدموا على مهاجمة قوات إسرائيل – وصل الزمان، وانتهى التاريخ عندنا نحن الأحرار بسماع كلمة قوات إسرائيل..  فهذا السرطان لم يكن له وجود، ولم يخرج لسانه إلا بالرعونة والسلبية وبخضوع الحكام العرب وفساد حاشيتهم وشراء ذممهم..

وددت نقل ما يدور في الجانب الآخر من بلدنا  حاضنة القدس الشريف..

ليس هناك أنبل ممن يقدم روحه فداء لوطنه..

ألا يحارب الأمريكي، أو الفرنسي أو غيرهما خارج حدودهما في أرض بغداد مثلاً.. إلا بعد محاضرات مطولة من علماء النفس الحربي والرهبان والقساوسة وعملاء CIA.. حتى يتم غسل المخ من أجل رفعة الوطن.. ويقتنع المقاتل أنه يذود عن وطنه..حتى باحتلال بلد آخر..

فلم الاعتراض علينا.. ونحن أصل النضال الأحرار؟لم يحتج علينا ونحن نقدم أرواحنا منذ الشيخ أحمد ياسين وقبله وبعده.. والرنتيسي.. وأبنائه الأبرار يحيى عياش وصلاح شحادة وإبراهيم المقادمة وريم الرياشي وغيرهم من شهداء هذه الأمة.. إلى يوم الدين؟ ألسنا أحق ونحن تحت الاحتلال الذي يشاهده العالم الآن يفعل كل ما هو ضد الإنسانية جهارًا نهارًا؟ ألسنا أحق بمن يستبيح دماءنا؟

سيدي ببساطة.. لا أريد تعكير مزاجك.. لا أنت ولا أي أخ لنا عربيّ أو غيره.. ولكن إن لم تساعدنا.. ادع لنا ولا تعادِنا لأي سبب.. ولا تحقرن من المعروف شيئًا.. لا تحقر روح إنسان وقف بصدره عاريًا في وجه تليسكوب القناصة.. وكتب في الهواء والسماء والأرض رسالته وحديثه جليًّا.. موتي يحقق الرفعة لبلدي.. سكوتي يعني انكسار وطني وخذلان شعبنا.. اختار الشهادة.. رأى الله في عيون أعدائه يرقب فعله قبلهم.. أمده بالمدد – وما أدراك بالمدد- إنه العطاء “وكفى”.. اختار الشهادة أرقى درجات الحياة، ووصل إليها حيًّا قبل المغادرة إلى لقاء الذات العليا مرفوع الرأس..

ألا تعلم سيدي ماذا أرسل لنا من سبقونا بالشهادة زارونا في منامنا؟ ظهروا لنا بالطرقات يتشحون بثياب خضر.. يبشرونا بالنصر والثبات.. وهل يأتي النصر للفارين والمنبطحين الفاقدين للهوية؟

سيدي.. لحظة من فضلك.. ألا تعلم أن الشهيد يُهوّن عليه الألم، فلا يجد ألمًا لما يصيبه.. ولا يوجد إنسان تميّز بهذه الكرامة غير الشهيد؟

سيدي أقبل منك كل الأعذار، ولا ألومك، وألوك آلامي بين ضروسي، وأبلعها كما أمضغ غيرها من المحن.. لن أقول وأزبد عن الوطنية والمشاركة والتآزر و……إلخ.

الأمر ببساطة أن الأحرار منا يقبضون قبضة من أثر الرسول جبريل على أرضنا.. وأجدادنا الأشراف من أخبرونا مواقعها سلفًا.. ولا نصنع منها خوارًا نعبده كما فعل السامريّ المحكوم عليه بـ “لا مساس”… وإنما نصنع منها أحجارًا أقوى مما أتت من سجيل..أو هكذا يخصها الله.. تنتفض لها الألوية والعداد العسكري لدى الكيان الصهيوني المحتل.. نسير على خطي أجدادنا من الأبطال الأشراف.. فيجتمع النصارى منا قبل المسلمين للتزاحم على البطولة.. ونبدأ بتشابك الأيادي والأذرع.. ونقرأ جهارًا في أماكننا السرية لأبطال المقاومة.. نعم نقرأ معًا، ونسمع بوضوح صوت الحصى حولنا.. والتهليل والتبجيل يهتفان معنا من عنان السماء قبل أن نغادر لتنفيذ العملية.. نقرأ معًا الفواتح للنبي الأكرم وآل بيته الأطهار وإلى أولياء الله والأنبياء جميعًا، وبحق المجد والجبروت والعزة والملكوت ورحمة الله..نسأل السداد سيدي..

هذا هو شرفنا سيدي.. ولحظتنا نحصد مغنمها.. ولا أخفي ما ينطق به الشهيد قبل لقاء أحبابه من سبقوه.. نؤمن سيدي.. أنه لو طال الاحتلال  ألف سنة، وأتبعها ألفًا أخرى.. ما نقص من عزمنا شيء وعلى الدرب سائرون.. ولا تثريب على من لم يمد يده.. ولو بدعم الدعاء في سجوده وخلوته للأبطال.

سيدي نعلم أن لكل منا ندّاهته الخاصة.. إما استطاع أن يفك منها.. أو تكبله طوال ظهوره في الدنيا.. حتى تذروه الرياح ويبحث الحصى عن رفاته.. وقديمًا قالوا: “صاحب البيت أدرى بالذي فيه”.. فتحية لكل المرابطين من نساء وأطفال ورجال وعجائز.. الواقفين على أبواب الأقصى الثمانية.. باب العود والساهرة والأسباط والمغاربة والنبي داود والباب الجديد والخليل.. حتى باب الرحمة.. هؤلاء أغمضت الشمس عيونها.. وأناخت بجوارهم.. وأرسلت لهيبها إلى جباه العدوّ المقابل للأبطال للمراقبة.. هؤلاء أبطالنا سيدي.. تسلل القمر بعيدًا عنهم ليلاً.. دار دورته في كل البلاد العربية “المفتت والممسوخ ألسنتها دعما ودفعا ودعوة للسلام الدافئ”.. نعم ذهب القمر يتسمع ما يدور طوال أيام.. لا جديد طاف القمر حول أثواب تبرأت من أجساد تغطيها وتستر عليها.. ولو شاءت لأحرقتهم.. ولكن ما زال في رحمة الله الكثير.. عاد القمر يشرق ضوء حنانه على الساهرين المرابطين..

سيدي دعني أسألك سؤالاً.. سؤال من في أزمة وعدوه يمد الغرب له المعنويات والعداد والسند والمبررات وكل شيء – حتى الأردن توفر له المياه وكله بثمنه..

نعم سيدي فليتسع صدرك لقولي.. ألم ترتكب السعودية الأخطاء الواحد تلو الآخر في سوريا والعراق، وتشدقت بالأكاذيب في البحرين.. ثم أججت اليمن إلى لا شيء غير الزعامة العربية المقيتة والآثمة.. أليس لهم في نكبة 1967 آية؟

نعم أسأل ماذا قدمت السعودية لقضيتنا.. ولا تلومني وتنكر عليّ.. لِمَ اخترت السعودية دون غيرها من دول المنطقة الغارقين في وحل التبعية؟ وأقول ألا ترفع علمًا أخضر بلون ثياب أهل الجنة يتوسطه شعار التوحيد وأسفله سيف بطول العلم؟ أين هذا السيف؟ ولمن يصوبونه الآن؟

هذا هو السؤال لصدور الإخوة في الدين والعروبة والإسلام – ماذا قدمت وفعلت في حصار القدس الأخير هي وغيرها من دول الجوار – أيجب أن يسبح العرب بحمد السعودية حتى ترضي بنفطها المسروق وريالاتها المرهونة ببنوك العرب؟ لِمَ لا تمول شبابنا  لتحرير القدس؟ لم لا تقيم مشروعًا للحياكة للأرامل الفلسطينيات، وتعتبره عملاً إنسانيًّا كتبرع بعض الأمراء لمرضى التوحد والشلل الدماغي بأمريكا؟ عذرًا توقف النبض لذكر العار.

المصدر البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق