متفقين على «التثبيت» مختلفين على «الدولة»؟

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لا خلاف بين كل المصريين على هدف تثبيت الدولة، ولست أظن أن أحداً في الأرض يمكن أن يختلف على ترسيخ أركان الدولة في أي بلد من بلاد العالم، المشكلة تبدأ مع نوع الدولة التي يراد لنا جميعاً أن نعمل على تثبيتها، أحياناً يقصد البعض بالدولة نظام الحكم فيها، وهو هدف يجتمع عليه أصحاب المصلحة من بقاء هذا النظام أو ذاك، سواء كانوا ضمن حزب حاكم أو مجموعة ائتلاف حاكمة، أو أصحاب المصلحة في بقاء النظام بسبب تطبيقه سياسات تناسب مصالحهم وتعبر عنهم.

ولكن تثبيت النظام لا يصلح لأن يكون هدفاً وطنياً عاماً، الهدف الوطني يجب أن يكون محل إجماع المواطنين، حكاماً ومحكومين، وهو بطبيعته عابر للمصالح الطبقية أو الفئوية أو الحزبية أو المناطقية، وفوق كل مصلحة خاصة تختص بها مجموعة من المواطنين، وليس جموع المواطنين.

الهدف الوطني يبداً بما يحدده الدستور وينص عليه، فكل نص دستوري هو بالضرورة هدف وطني عام أقره المواطنون وجعلوه ضمن العقد الاجتماعي الذي يحكم الجميع، الحكام قبل المحكومين.

يعني مثلاً كلنا يعرف أن أبسط تعريف للدولة بأنها أرض عليها شعب يختار حكومة تُسير له أمور حياته على إقليم الدولة طبقا لدستور وضعوه وتوافقوا عليه، ويقسم الحكام جميعاً على احترامه لأنه يعبر عن ذلك التوافق الوطني العام.

وأول ما يقسم عليه الحاكم أن يحترم الدستور، ويحافظ على مصالح الوطن، وسلامة أراضيه، ما يعني الالتزام بعدم التنازل عن أي شبر من إقليم الدولة، وأي تنازل من هذا القبيل هو ضرب لأحد أهم ركائز الدولة، ويجب أن يُرفض، ويكون هذا الرفض عملاً وطنياً بامتياز، ويكون التفريط في أي شبر من أراضي الدولة عملاً ضد تثبيت الدولة يعاقب عليه مرتكبه بأشد العقوبات.

مثال آخر، إجراء أي تعديل في دستور البلاد يجب أن يكون وفق ميزان حساس، ولا يُفصل على مقاس الحاكم، وإذا جرى أي تعديل يجب ألا يستفيد منه الحاكم الحالي، حتى لا تكون هناك شبهة أو شهوة إجراء تعديلات دستورية على مزاج الحكام.

الدولة التي يجب أن تكون هدف تثبيتنا جميعاً هي دولة المواطنين، لا دولة الحاكم، دولة الدستور والقانون، وكل خروج على الدستور، أو تجاوز عن أحكامه، هو ضرب لأسس الدولة وهدم لها، وكل خروج على القانون هو خروج على الدولة حتى ولو جاء من أحد السلطات فيها.

مشكلتنا مع الذين يحكموننا أنهم يختصرون الدولة في مؤسساتها، وأجهزتها، ثم يختصرون المؤسسات في مؤسسة واحدة، ثم يختصرون المؤسسة في شخص واحد، هو الحاكم، ويصبح الخلاف معه خلافاً مع الدولة، وكل معارضة لسياساته تدخل في باب الجرائم ضد الدولة.!

الدولة التي يجب أن تتكاتف كل الجهود من أجل تثبيتها هي دولة القانون العادي، وليست دولة قانون الطوارئ.

أي دولة تكون السيادة فيها للأجهزة، وتنتشر فيها أقبية التعذيب، وانتهاكات حقوق الإنسان، وإهدار آدميته، والحط من شأنه، هي دولة تمارس العنف وتحرض عليه، ولا أمل في أي حلٍ إلا بإعادة الاعتبار إلى دولة القانون الطبيعي، ورفض استمرار دولة القهر والطوارئ.

نحن جميعاً مواطنون وحكام، شعب ومؤسسات، أحزاب وقوى سياسية، أصحاب مصلحة حقيقية في تثبيت أركان الدولة العادلة، وهدم وإزالة كل أركان دولة الفساد والاستبداد والفوضى والرشوة والعمولات.

نحن جميعاً أصحاب مصلحة، وعلينا واجب تثبيت أركان دولة الدستور والقانون، وبنفس القوة نحن أصحاب مصلحة، وعلينا واجب التصدي لدولة الفساد والقهر، ومن أجل هذا قامت في مصر ثورتان في أقل من ثلاث سنوات.

دولة الدستور والقانون هي التي تصون الحقوق كلها، وتوازن بينها جميعاً، ولا تغفل حق لمصلحة آخر، ودولة القهر هي التي تبدد هذه الحقوق، وتفرض قانونها الخاص، القانون الذي يعتد بالقوة أسلوباً وحيداً في فرض الحقوق، القوة فيها فوق الحق، والبقاء فيها للأقوى، وليس لصاحب الحق، والقانون يطبق بطريقة عشوائية، ينضوي تحته الضعيف ويكسره القوي.

دولة الدستور تفرض القانون على كل من فيها، الكبير قبل الصغير، القوي قبل الضعيف، الحكومة قبل المحكومين، لا فرق فيها بين المواطنين إلا بالالتزام بالقانون، ودولة القهر لا قانون فيها، غير قانون الفساد ولا دستور فيها غير دستور الاستبداد.

دولة الدستور تتأسس على تشريعات تعبر عن مصالح الأغلبية، وقضاء عادل مستقل، وإعلام حر، وأجهزة في خدمة المواطن، أما دولة القهر فأساسها تشريعات لمصلحة فئة محدودة من المواطنين، وقضاء تابع وفاسد، وإعلام موجه أو مكبل، وأجهزة تقهر لا تخدم، وتهيمن ولا تؤمن.

دولة القانون، دولة يعيش فيها المواطنون سواسية تحت مظلة من الأحكام والقوانين التي تنظّم الحريات والحقوق العامة وإدارة شؤون الدولة، وتكون السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية مستقلة عن بعضها البعض، القانون هو الحاكم والمنظّم لأمور الحياة بموجب دستور متوافق عليه بين طبقات المجتمع، ودولة القهر يعيش فيها المواطن تحت رحمة أصحاب النفوذ، السلطة التنفيذية هي الطاغية فوق كل السلطات، والعنف هو صاحب الكلمة العليا في المجتمع في ظل سياسات مفروضة على الجميع، ولا تحظى بتوافق عام عليها من جميع طوائف الشعب وطبقاته.

في دولة القانون الجميع أمام القانون سواء، وفي دولة القهر الجميع تحت رحمة الحاكم سواء، من شاء قربهم منه، ونالوا رضاه، ومن شاء أبعدهم، ونالوا سخطه وأذاه.

في دولة القانون يسود مبدأ المساواة بين الناس أياً كان أصلهم، أو دينهم، أو لونهم، أو رأيهم السياسي، ومعتقداتهم الفكرية، أو أصولهم الاجتماعية، لأن الإنسان قيمة في ذاته، وما وجدت السلطة إلا من أجل حمايته وتوفير حقوقه وتأمين حرياته، أما دولة القهر فيسود فيها مبدأ طغيان الحكام على المحكومين، المواطنون فيها أمام الاستبداد سواء، والإنسان مُدان برأيه ودينه ولونه ورأيه السياسي وانحيازه الفكري إن هو خالف رأي الحاكم أو عارضه.

في دولة الدستور لا سلطة فوق القانون، والقانون هو الذي يحمي الفرد من الاستبداد، وفي دولة القهر السلطة كل السلطة في يد الرئيس، وهو صاحب الاختصاصات التي تجعل منه فرعون البلاد.

في دولة القانون السيادة في يد الشعب، والحكام ليسوا إلا مجرد عمال لدى صاحب السيادة، وفي دولة القهر السيادة للرئيس، والشعب ليس إلا مجرد عمال عند صاحب الفخامة.

الحكام في دولة الدستور والقانون في خدمة المحكومين، وفي دولة القهر يكون المواطنون خداماً للحكومات، وعبيداً لديها، في دولة القانون يستطيع المواطنون أن يغيروا حكوماتهم عبر وسيلة الانتخابات الحرة النزيهة، وفي دولة القهر تقوم الحكومة بالانتخاب نيابة عن الشعب، ويعمل فيها الحاكم على أن يستمر في الحكم حتى توافيه المنية.!
فأي دولة تريدون تثبيتها، دولة القانون أم دولة القهر؟

المصدر البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق