ضرورة الابتكار

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

عندما ولدت لم يكن الهاتف المحمول أو الكمبيوتر الشخصى أو شبكة المعلومات أو قنوات التليفزيون الفضائية موجودة. أما أبى فقد ولد فى عالم أكثر اختلافا عن عالمنا الحالي، فلم يكن التليفزيون قد اخترع بعد، ولم يكن البنسلين قد اكتشف أيضا، وكان السفر الجوى أمرا نادرا ونوعا من الرفاهية. وعندما ولد جدى، لم تكن توجد سيارات أو طائرات أو أجهزة راديو أو دور سينما. وعاش والد جدى فى عالم لا توجد فيه قطارات أو هواتف أو ثلاجات أو مصابيح كهربائية، وربما كانت حياته أقرب لحياة الفلاح المصرى القديم عن قربها من حياتنا اليوم، فخلال فترة المائة والخمسين عاما الماضية والقصيرة نسبيا، تحولت حياتنا تماما سواء فى المنزل أو العمل بواسطة المنتجات والخدمات الجديدة، والسبب فى تغير العالم تغيرا كبيرا يمكن تفسيره بدرجة كبيرة بالاختراع والابتكار.
قد يتصور البعض أن الابتكار هو وظيفة العلماء وحدهم، ولكن الواقع أن الابتكار هو مهمة كل الناس، فموضوعات الابتكار ليست السلع أو الإنتاج الاقتصادى وحده، بل إن الابتكار والتجديد فى مجال الإنتاج ليس سوى مظهر واحد من مظاهر الرغبة العامة فى التجديد فى كل مجالات الحياة.
من ناحية أخرى، أكثر براءات الاختراع المسجلة فى كل أنحاء العالم لا علاقة لها بطفرات كبيرة فى المعرفة والتكنولوجيا، بل قد تكون فى غاية البساطة، وقد لا تكون لها علاقة بالتطبيقات الصناعية، ومعظم براءات الاختراع التى يتم تقديمها وقبولها كل عام لا تتضمن أكثر من دمج أفكار قديمة ومعروفة لتؤدى أغراضا جديدة.
الاسكتلندى جون شيفرد بارون، الذى اختراع أول ماكينة للصرف الآلى فى العالم فى سنة 1957، جاءته الفكرة وهو جالس فى حمام منزله بعدما لم يتمكن من دخول البنك الذى يتعامل معه، واستلهمها من ماكينة تخرج قطعا من الشوكولاتة، مع استبدال الشوكولاتة بالنقود، وباع فكرته لاحقا إلى بنك باركليز البريطاني، وبعد أكثر من 40 عاما على تدشين أول ماكينة للصرف الآلى فى فرع للبنك بشمال لندن أصبح هناك أكثر من 1.7 مليون ماكينة على مستوى العالم.
والضابط المصرى باقى زكى يوسف، الذى ابتكر فكرة فتح الثغرات فى الساتر الترابى باستخدام ضغط المياه فى حرب أكتوبر سنة 1973، لم يقم حتى بدمج فكرتين معا بل أخذ فكرة قديمة مستهلكة واستخدمها بشكل جديد، فقد واتته الفكرة من مشروع السد العالى، الذى عمل فيه من سنة 1964 وحتى سنة 1967، حيث كان يتم استخدام المياه المضغوطة لتجريف جبال الرمال ثم سحبها وشفطها فى أنابيب خاصة من خلال مضخات لاستغلال مخلوط الماء والرمال فى أعمال بناء جسم السد العالى.
فى سنة 2007، نشرت “المنظمة العالمية للملكية الفكرية”، المعروفة اختصارا بالويبو WIPO، قائمة لدول العالم مرتبة حسب عدد براءات الاختراع المسجلة فى هذا العام، وكانت كالتالى: الولايات المتحدة 197 ألف، اليابان 185 ألف، كوريا الجنوبية 63 ألف، ألمانيا 48 ألف، فرنسا 22 ألف، الصين 21 ألف، روسيا 19 ألف، بريطانيا 13 ألف، وكل من سويسرا وهولندا ثمانية آلاف براءة. أما فى مصر والعالم العربى فإن متوسط عدد براءات الاختراع يقل عن 200 براءة سنويا. هذا العدد المحدود للغاية من براءات الاختراع المسجلة كل عام لا يعنى العقم العقلى فحسب وإنما يعنى أيضا الجمود الثقافى، فليس لدينا ثقافة تسجيل براءات الاختراع فى كل مجالات الحياة كما يحدث فى العالم الغربى.
كثرة براءات الاختراع هو مؤشر دال على سيادة ثقافة فى المجتمع تتطلع إلى التجديد المتواصل، وتفتح القريحة الإنسانية على مصراعيها، وتدفع نحو اكتشاف مجالات جديدة للمعرفة وتطبيق المعارف فى منتجات أو أساليب عمل وإنتاج جديدة ولو فى أبسط مجالات الحياة، أما عندنا فالجمود الثقافى يعنى أن الناس فى كل مكان يقبلون بأن يفعلوا ما يفعلونه كل يوم بنفس الطريقة ودون تغيير يذكر، إلا عندما يأتيهم الجديد من الخارج ويفرض نفسه فرضا، أو يسخرون ويعرقلون من يأتى بجديد.
قد يكون هذا الجمود الثقافى ناتج عن الفهم المغلوط لحديث الرسول: “إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار”.
إذا أردنا أن نلحق بقطار التقدم حقا فلابد من أن نلفظ هذا الجمود الثقافى ونعالج هذا العقم العقلى عن طريق الاهتمام بطاقاتنا البشرية وبقدراتهم على التفكير الابتكارى، والإيمان بأن المبتكرين هم العناصر الضرورية لصناعة التقدم، وأن الابتكار لا يتم من فراغ أو بطريقة فردية، وإنما يتم فى مناخ اجتماعى يشجع على الابتكار وييسر ظهوره وينميه، فقد يكون المناخ الاجتماعى والثقافى معوقا للتفكير الابتكارى ومثبطا له.

والتفكير الابتكارى هو ذلك النوع من التفكير الذى يتسم بحساسية فائقة لإدراك المشكلات، وبقدرة كبيرة على تحليلها وتقييمها، وإدراك نواحى النقص والقصور فيها. كما يملك صاحب هذا النوع من التفكير قدرة كبيرة على إنتاج الأفكار التى تتسم بالتميز والتفرد والجدة، كما يتميز بالسهولة فى إنتاج عدد كبير من الأفكار فى وقت قصير، وبالمرونة فى التحول من فكرة إلى أخرى، ويتسم صاحب هذا النوع من التفكير بقدرة كبيرة على التخيل والتصور والإنشاء والتركيب والبناء، وإيجاد علاقات جديدة وتفسيرات متميزة لفهم الواقع والتعبير عنه وتغييره إلى الأفضل. وتتسم شخصية صاحب هذا النوع من التفكير بالإصرار والمثابرة والميل إلى التجديد والمخاطرة.
وتعتبر الأسرة من أهم المؤسسات الاجتماعية التى يمكن أن تسهم فى توفير المناخ الملائم لتنمية التفكير الابتكارى لدى الأطفال، كما يمكن أن تتحول إلى مؤسسة مثبطة للإبداع، فالأسرة التى يسود العلاقات فيها مناخ ديمقراطى، وتوفر للأطفال الحب والاهتمام والرعاية والأمن والاستقرار، تسهم إسهاما كبيرا فى تفتح ونمو القدرات الابتكارية لأطفالها على عكس الأسر التى يسودها علاقات تسلطية استبدادية ولا تستطيع أن توفر لأطفالها الحب والاهتمام والرعاية والأمن.
نحن بحاجة إلى أسرة تعتمد الحوار أسلوبا للتفاهم، أسرة لا تزرع فى الأطفال مشاعر الذنب أو النقص أو الخوف أو العار، أسرة لا تقسو ولا تدلل، أسرة تشجع أطفالها على أن يكونوا مستقلين وميالين إلى التجريب والتجديد، أسرة تعلى من شأن العقلية الناقدة لا العقلية المطيعة.
وكما يمكن أن تلعب الأسرة دورا مهما فى تنمية الابتكار أو إحباطه، كذلك تفعل المؤسسات التعليمية كالمدارس والمعاهد والجامعات، فالمناخ التعليمى ونوع العلاقات السائدة فى هذه المؤسسات، ونوعية المادة العلمية وطريقة عرضها وتنظيمها وأسلوب تدريسها، وأسلوب التعليم داخل الفصل، ونوعية المدرس وطريقته فى التفاهم مع تلاميذه وفى إدارة عملية التعليم، ومدى إيمانه بأهمية الابتكار، ومدى تشجيعه للتلاميذ على الحديث وإقامة الحوار وإدارة الخلاف فى الرأى وتدريبهم على التحليل والتقييم والنقد. هذا بالإضافة إلى أسلوب التقويم والامتحان، وهل يركز فقط على قياس قدرة التلاميذ على الحفظ والتخزين والاستظهار والاسترجاع، أم أنه يختبر قدرتهم عى الابتكار والإبداع. وهل يؤكد المدرس أن كل ما يقوله مقدس لا يحتمل الخطأ، وكل ما يجىء فى الكتاب المقرر لا يحتمل الاختلاف، أم يؤكد أن ما يقوله هو نسبى يحتمل الخطأ.
وكما تؤثر الأسرة والمؤسسة التعليمية على الأجيال الجديدة فإن المجتمع، من خلال مؤسساته السياسية والإعلامية والثقافية والدينية، له تأثيره الذى لا يمكن تجاهله، فإذا كان المجتمع تسوده الاتجاهات الديمقراطية والتسامح ويعبر عن نفسه من خلال التنوع والتعددية ويتيح الفرص المتكافئة للآراء المختلفة والمتعارضة، ويشجع على حرية التفكير والاجتهاد والتعبير، مثل هذا المجتمع يهيئ مناخا مشجعا على الابتكار والإبداع، أما إذا ساد فى المجتمع الاتجاهات التسلطية والاستبدادية والتعصبية، وإذا أغلق هذا المجتمع أبوابه فى وجه الخلاف فى الرأى ولم يسمح بحرية التفكير والاجتهاد والتعبير وكثرت فيه المحرمات والممنوعات الثقافية، فمثل هذا النوع من المجتمع لا بد أن يصنع مناخا معاديا وقاتلا للابتكار والإبداع.
كل ذلك يجب أن يتم فى مناخ ديمقراطى خال من التسلط أو القهر يهدف إلى توليد أجيال من الأحرار المستقلين الذين يعتزون بكرامتهم، لكنهم فى نفس الوقت يحترمون حرية الآخرين وتميزهم واختلافهم، يتعاملون مع المختلفين فى الرأى وفى الاعتقاد بسماحة وقبول.
أجيال إيجابية تقدس العمل وتسعى إلى تحسين ظروف الحياة لكل الناس ولجميع الأجيال، يتسع اهتمامهم ليتجاوز مصالحهم الذاتية ليشمل مصالح الإنسانية وسلامة وأمن كوكب الأرض بكل ما فيه من موارد وبكل ما يعيش عليه من كائنات. أجيال تؤمن بأنه لا توجد جنة فردية على الأرض فالجنة إما أن تكون جماعية أو لا تكون وهذا هو الجانب الأخلاقى فى النشاط الابتكارى.

المصدر البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق