سوبر باشوات

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

■ كلمة «باشا» رتبة ولقب تركى عثمانى قديم، ذو دلالة طبقية، وهو يعبر عن موقع قيادى أو مرتبة اجتماعية داخل الإمبراطورية العثمانية. وينعم السلطان العثمانى بالرتبة على من يختاره من أفراد عائلته أو من كبار القادة من العسكريين وغير العسكريين. ومع مطلع القرن التاسع عشر، كان الوالى الذى يختاره السلطان العثمانى لينوب عنه فى حكم «ولاية مصر» يلقب أيضا «باشا» أى أنه لم يكن فى مصر سوى باشا واحد، كالوالى «محمد على باشا» على سبيل المثال. تدريجيا انتقلت- أو انتزعت- سلطة الإنعام باللقب وملحقاته إلى حاكم مصر، بعد استقلالها نسبيا عن السلطنة العثمانية.

■ مع انتهاء الخلافة العثمانية وقيام جمهورية «كمال أتاتورك» لم يعد يتمتع بلقب «باشا» سوى كبار القادة العسكريين. وفى عام ١٩٣٤انتهى تماما استعمال اللقب فى الجمهورية التركية الكمالية. واستمر استعمال الألقاب التركية فى «مصر» حتى قامت حركة الجيش فى يوليو١٩٥٢. وقام مجلس الوزراء فى مطلع أغسطس بإصدار قرار بإلغاء الرتب (باشا ـ بيك) والألقاب الملحقة بها (صاحب الدولة- صاحب المعالى- صاحب العزة...إلخ).

■ جلس الخوجة (المدرس) فى البهو، فى انتظار قدوم التلميذ، ابن الباشا ليبدأ الدرس، وفى هذه الأثناء سمع حرم الباشا فى الصالون تقول للسفرجى:

ـ ما هذه القهوة المقرفة التى تأتينى بها.. خذها لسعادة الباشا فى الجنينة واعمل لى غيرها.

ـ سعادة الباشا شرب قهوته. ـ إذن خذها للخوجة.

فقال لها السفرجى هامسا:

ـ خفضى صوتك يا ست هانم، إنه هنا وهو يسمع. فتقول:

ـ وماذا فى ذلك؟ حتة خوجة، ويريد أن يتآمر علينا؟.

ويأتينى بها السفرجى وكله خجل...فقد كان عند الرجل من الحياء والإنسانية، فوق ما عند سيدته الهانم.

■ «حتة الخوجة» فى هذا المقام هو الراوى للواقعة نفسه.. كان شابا مجهولا فى مقتبل العمر، يرتزق من إعطاء الدروس لبعض أبناء الباشوات. وهو ذاته الذى أصبح فيما بعد المؤرخ الأكاديمى والأديب الشهير د. «حسين مؤنس». والواقعة التى ذكرها، فى مفتتح كتابه «باشوات وسوبر باشوات» ضمن وقائع أخرى أيضا هى أول لقاء له مع عالم الباشوات، وهو يستدل بتلك الوقائع المذكورة بالكتاب، على تأكيد فساد وزيف عالم الباشوات إجمالا. (من وجهة نظره بالطبع).

■ كتاب «باشوات وسوبر باشوات» للكاتب المؤرخ «حسين مؤنس» كان قد صدر فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى، عقب صدوره أولا فى حلقات فى «مجلة أكتوبر». وعنوان الكتاب يعبر فى مجمله عن فكرة الكاتب التى يوجزها فى أن عصر ما قبل ثورة يوليو١٩٥٢ كان عصر حكم باشوات الملك والإنجليز. أما بعد ثورة ١٩٥٢ فكان الحكم للسلطان (ناصر) وضباط يوليو وتابعيهم، وهم الذين سماهم المؤلف «سوبر باشوات». ولم يكن الكاتب راضيا عن هؤلاء وهؤلاء.. ولكن شتان الفرق بين «الباشوات» والـ«سوبر باشوات» بلا أى حيثيات (على حد قوله). والكتاب إذ يبين عن جهد محمود للكاتب، يمكن للقارئ أن يفيد منه كثيرا، إلا أنه لا يخفى الكثير من التحيزات، والمبالغات. وإن كان قد أقر بوضوح عدم تخصصه فى تلك الفترة التاريخية مناط الكتاب. وربما كان أوضح هذه التحيزات، تحيزه لوفد «سعد» و«النحاس»، ولحزب مصطفى كامل الوطنى، بالإضافة للتعاطف الواضح مع «الإخوان المسلمين» ولذا فلا عجب أن يكون ناشر الكتاب، دار نشر يملكها قطب إخوانى. والكاتب فى نقده القاسى لفساد السوبر باشوات.. ضباط يوليو، لا ينسى أن يستثنى من هم يتوافقون مع منحاه الإسلامى الواضح، بل ذكر بعضهم بالاسم، مثل «حسين الشافعى» و«كمال الدين حسين». الكتاب يجب أن يقرأ من باب: «مالا يأخذ كله لا يترك كله».

■ ومن الكتاب نقتطف:

■ «خلال ١٥٠ عاما من تاريخ مصر (١٨٠٥ ـ ١٩٥٢) حكم الباشوات بلادنا وملكوا كل شىء فيها، الجاه والسياسة وصدارة المجتمع والقصور والأموال والضياع، ولكن من استولى على القصور والأموال والضياع؟ السوبر باشوات.. باشوات بلا ألقاب وأشراف بلا شرف وناس بلا إنسانية ومواطنون بلا وطنية».

■ «وبعد أن انتهى عصر الباشوات وقامت الثورة، أقاموا المحاكم للباشوات. وإنه ليستوقف النظر أن خيانة الوطن لم تثبت على واحد منهم، وخيانات المال كانت قليلة، واللصوص من بين الباشوات كانوا قليلين جدا. ومع ذلك فقد أخذوا أموالهم- اللصوص منهم وغير اللصوص- أخذوا أموالهم ووضعوها تحت الحراسات، وأقاموا عليها رجالا قالوا لنا إنهم مخلصون أمناء، وسنرى ما كان من أمر هؤلاء المخلصين الأمناء».

■ «لقد دفن عصر الباشوات بقيام ثورة يوليو ١٩٥٢.. لكنه مات قبل ذلك بزمن طويل.. مات لأن الباشوات كطبقة فشلوا فى القيام بدورهم.. فإن هذه الطبقات أو الجماعات السياسية أو جماعات المصالح إذا لم تحسن القيام بدورها تلاشت.. فقد تلاشت طبقة النبلاء الفرنسيين والأدواق والكونتات والمركيزات والبارونات.. لأنها عجزت عن القيام بدورها.. ثم إنها ربطت نفسها ربطا متينا بالملكية.. وعندما سقطت الملكية تلاشت حواشيها».

■ يقارن الكاتب بين ما حدث للأصول والقصور والممتلكات عقب الثورات فى مختلف أنحاء العالم، وبين ما حدث عقب ثورة ١٩٥٢ المصرية، ويضرب مثلا واضحا لكيفية حفاظ الثورة الروسية على كافة الأراضى والقصور ومحتويات قصور القيصر وأمراء العائلة الحاكمة. وبين ما حدث فى مصر، ويعقب على ما حدث فى مصر قائلا: «... أما الأراضى الزراعية.. فتدهورت.. وأما الأموال فنهبت وأما القصور وما فيها من جواهر وذخائر فقد نهبتها أيدى أمراء النظام المملوكى الناصرى وخشداشيته». ثم يذكر المؤلف العديد من وقائع النهب والسلب لمجوهرات عائلة «محمد على» والتى لم يستفد منها الشعب. تلك الوقائع التى سجلها وشهد عليها الكثيرون.

■ ونختتم- ولنا عودةـ بقول د. «حسين مؤنس» عن «عبدالناصر»: «الرجل لم ينفعنى ولكنه أضر بى لأنه أنزل ببلادى مساءات كبرى، وأنا أقول إننى أتمنى لكل رئيس من رؤساء مصر أن يكون جمال عبدالناصر فى شجاعته، وقدرته على صنع التاريخ وقيادة الحوادث وجلال شخصه وجمال صورته.. ولكننى لا أتمنى له أن يكون جمال عبدالناصر فى عدوانه على الناس واحتقاره للقانون وحقده على ناس بعينهم واستصغاره للعلم وأهله وعدم توقيره للقضاء».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق