صعوبة الملفات الصعبة

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يبدو أننا من كثرة الأحزان لم تعد لدينا قدرة على الفرح، فإذا ما جاءت أخبار تدعو إلى التفاؤل فإننا إما لا نصدق أو نؤجل البشارة خوفا مما سوف يأتى مؤكدا التشاؤم. الأسباب معروفة فى تاريخنا القريب والبعيد، وحتى عندما يكون التوقع إيجابيا بوضوح فإن لدينا من الطاقة السلبية المتراكمة ما يكفى لهز الأكتاف. وللأمانة، فإن بعضا من هذا يعود إلى أن التغيير للأفضل دائما ما يصاحبه ثمن وآلام لا نريد التعرض لها، فيكون الميل إلى أن تبقى الأمور على ما هى عليه. راجع النقاش والحوار الذى جرى بصدد ما حدث عند تعويم الجنيه المصرى، كان هناك مَن رفضه كلية، لأن ظروفنا وخصوصيتنا لا تجعلنا مثل بقية دول العالم، وكان هناك مَن تمسك بضرورة التدرج، وكأن روشتة المضادات الحيوية للمريض يمكن تناولها على مراحل وليس كما وصفها الطبيب، وكان هناك مَن أصر على وجود توافق مجتمعى مستحيل التوصل إليه. وصدق نفس المنطق فى كل ما نطرحه من قضايا، سواء كانت التعليم أو الصحة أو حتى إزالة القمامة، فالاستنكار دائما سهل، لأن أحوالنا فى الموضوع لا تسر عدوا ولا حبيبا، ولكن ساعة الحل فإن الطاقة والعاطفة المستنكرة تتحولان فورا إلى طاقة سلبية تجر أرجلها، لأن التغيير صعب ومؤلم وله ثمن لا يريد أحد أن يدفعه.

عندما يكون الحال كذلك فإن الزمن لا يكون وقتا للغضب، وإنما للقيادة ودفع الشعوب إلى الأمام، وفتح ما لديها من ملفات صعبة احتفظت بها وبأسرارها لسنوات وعقود. ولحسن الحظ أن الجرأة الثورية للشعب المصرى فى 30 يونيو 2013 قد فوّضت قيادتها ليس فقط فى منع جماعة الإخوان الفاشية من السيطرة، ومقاومة الإرهاب ودحره، وإنما الخوض فى كل الملفات الصعبة والبحث عن حلول ومخرجات لها كما فعلت شعوب وأمم قبلنا. وخلال الأيام القليلة الماضية برز فى الصحف المصرية خبران لافتان للنظر: الأول أن الاحتياطى النقدى فى البنك المركزى قد تعدى 36 مليار دولار، أى أنه فاق ما كان عليه قبل بداية عهد الثورات، والثانى أن مصر فتحت أخيرا ملف التعليم على مصراعيه لكى تقيم تعليما «يليق بمصر» كما ذكر الرئيس السيسى فى مؤتمر الشباب الأخير. الخبر الأول هو النتيجة الطبيعية والمتوقعة عندما جرى اتخاذ القرار الشجاع بتعويم الجنيه، والذى لم يمضِ عام عليه إلا وحقق ميزان المدفوعات فائضا، وانخفض عجز الموازنة العامة، وانتعشت السياحة فوق مستوياتها السابقة، رغم استمرار الإرهاب، ووسط ظروف صعبة حقق الاقتصاد نموا قدره 4%، وارتفعت مستويات الاستثمارات الأجنبية، رغم التلكؤ غير المفهوم فى الانتهاء من قانون الاستثمار ولائحته، وزادت تحويلات العاملين المصريين فى الخارج. الثمن كما نعرفه هو مستويات غير عادية من التضخم ضغطت بشدة على الفقراء، وضربت بقوة الطبقة الوسطى، وخلقت حالة من عدم الاستقرار فى الأسواق، كان الأمر أشبه بالعلاج الكيماوى لمريض السرطان، أو الكىّ بالنار لجرح عميق. ورغم كل ذلك فإن النتيجة النهائية كانت تحقيق التوازن التدريجى فى الاقتصاد المصرى، وتوقف التدهور فى سعر العملة المصرية، بل مؤخرا استعادت قدرا ضئيلا من صحتها.

الخبر الثانى يضع التعليم على أول طريق الإصلاح الحقيقى الذى لا يزيد أو ينقص- كما فعلنا فى قضية تعويم الجنيه المصرى- عندما فعلنا ما فعلته الأمم التى سبقتنا، والتى تخلصت منذ وقت طويل من نظام الثانوية العامة، ونظام الحفظ والتلقين، ونظام تصور إنتاج مواطنين صالحين من خلال تعليم بلا تكلفة. الدكتور طارق شوقى قادته الأقدار لكى يتصدَّر هذه المسيرة، مُطبِّقا ما قاله رئيس الجمهورية- ولم يلفت نظر أحد- أنه لا توجد مشكلة مالية لدينا، وكل ما نحتاجه أن تكون هناك فكرة، وهناك مَن يستطيع تنفيذها. والفكرة كانت أن نفعل ما فعله الآخرون فى مجال التعليم، وهو أن نجعله مجالا للتفكير، والعقول النابهة، والمواهب والمبتكرين، وننزع عنه الخوف والرهبة والبحث عن العلم بدلا من البحث عن الشهادة.

ووزير التربية والتعليم كان على استعداد لتحمل المسؤولية، التى بدأها بالنجاح فى امتحانات الثانوية العامة عندما مرت بسلام وسلاسة، مع فشل مطلق لمَن امتهنوا كرامتها خلال الأعوام الماضية. الجوانب الفنية للموضوع لا مجال لمناقشتها هنا، وما ذكره الوزير عن إلغاء الشهادة الابتدائية، ونزع الذعر عن التعليم الثانوى، هو بالتحديد ما جرى فى كل دولة سبقتنا.

المال إذن ليس هو القضية، إنها «الفكرة» و«مَن يستطيع تنفيذها»، فتلك هى المسألة، ولا يوجد ملف من الملفات الصعبة التى تواجهها مصر لا توجد فيه أفكار تشرح ما غمض منه وتضعه على طريق الحل. وسواء كانت القضية هى الفقر، أو التخلف الإقليمى، أو مرض الكبد الوبائى، أو حتى الإرهاب وقضية الشرق الأوسط، فإن التجربة العالمية، بل أحيانا تجاربنا الخاصة، تهدينا إلى أفكار التعامل معها. كل ما نحتاجه هو الشجاعة لكى لا نقبل الأمر الواقع، ولا نتقبل أن تبقى الأوضاع على ما هى عليه، والاستعداد للقيادة واقتحام القضايا والمعضلات، فليس مقبولاً أن تبقى مصر على حالها، ولا أن تظل تراوح مكانها مترددة ومتلعثمة خشية الألم الذى يأتى مع التغيير. تجربة العام تثبت أن لدينا ما يكفى من كليهما.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق