لا عزاء للأخلاق

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

واقعة أستاذ كلية الإعلام- التي ملأت صفحات السوشيال ميديا مؤخرا من أكثر الوقائع التي هزت وجداني.. واستدعت أحزاني من مكمنها على أخلاق احترقت داخل أسوار جامعتي العريقة، جامعة القاهرة، جامعة لها حرمتها واحترامها، وإن كان بطل الواقعة الذي ذكر اسمه في التسجيل الصوتي أو شخص آخر غيره هو صاحب هذه الفضيحة، فالواقعة التصقت برجل مصري.. نزع بيده خلايا الرحمة والنخوة والرجولة من كيانه.. افتقد كل معاني الإنسانية، وأفرغ الأخلاق العامة من محتواها وأحالها للعدم، خلع رداء البراءة والعفة عن فتاة لا نعلم كيف وصلت معه إلى هذا الحال؟ وغالبا تعددت ضحاياه، أكتب عن هذه الواقعة تحديدا رغم نزيف الحروف التي تبكي دما وألما لأنها للأسف ليست واقعة فردية.. كل فتاة.. وكل أم.. وأرملة، ومطلقة، وكل امرأة، وكل تاء تأنيث تعمل أو لا تعمل في مصر تمر بهذه المأساة بأشكال مختلفة، كل ذكر وكل رجل مثقف كان أو متعلما أو حتى جاهلا، ضعفت نفسه، وغاب ضميره، وشعر بقوة زرعها شيطانه المريض بنفسه العليلة، نفذ من نقطة ضعف أو لحظة ضيق، أو حاجة لدى فتاة أو فاقة لسيدة مسكينة لينتهك براءتها وحرمتها وكأن الله لا يراه، ولا أنسى مقالا لزميلي العزيز عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق، فند فيها شكاوى زميلاته من تحرش رؤسائهم في العمل في مهنة الحرية، والجرأة، والقلب الذي لا يعرف الخوف، وصف زميلي باحتراف شديد كيف تعلمت الصحفيات المراوغة مع تلك المضايقات حتى يستطعن الحفاظ على عملهن ورزقهن وأكل عيشهن وحتى لا ينقطع رزقهن بسبب رفضهن تلك المحاولات التي لا توصف بأقل من كلمة (القذرة).

النساء في مصر يا سادة يعانين.. ليس فقط ضيق العيش وشظف الحياة، وقسوة الحال، وثقل الأحمال، بل ضافت أرواحهن ذرعا وتهفو إلى الرحيل تاركة أجسادا بلا حرمة، ولا غطاء، أنهكها الألم، وانتهكها آثمون ماتت ضمائرهم، وتصوروا أنهم لن يحاسبوا، أكتب عن واقعة شاء القدر أن يعرف بها القاصي والداني، بعد أن انتشر التسجيل الصوتي على مواقع التواصل الاجتماعي لأستاذ كلية الإعلام الذي يجبر طالبة لديه على خلع ملابسها وتصويرها عارية حتى لا تفضح أمره وتشي به، ووقائع لم يعرف أحد عنها شيئا، فثقافة المجتمع تأبى أن تخوض في تلك المنطقة، ورغم أن المرأة فيها ضحية، لو أفصحت عن رجل شاء التحرش أو حاول الاقتراب أو حتى اقترب، وربما اغتصب، تتحول إلى مذنب آثم، ويحولها المجتمع إلى امرأة لعوب، تستحق الجلد والرجم، أثارت الرجل بملابسها وإظهار مفاتنها على الملأ، فكانت هي المحرض الأول على تلك الآثام، رغم أنه نفس الرجل الذي لن يجرؤ في أي دولة أوروبية كل نسائها عاريات في الشوارع، على الاقتراب منها أو مجرد النظر إليها، نحن مجتمع تحرك رجاله الشهوة، التي لا تفرق بين مثقف وجاهل، أو دكتور وفاعل، أو حتى مسجل خطر، فوقائع التحرش والاغتصاب ملأت عناوين الأخبار وأبطالها أساتذة وأطباء ومديرون بل ورؤساء، فالأمر لم يكن صادما رغم بشاعته، ولكنه العبث الذي ملأ بلادنا بمثل هذه الأنماط التي لا تستحق مجرد الحياة، أمام أي قانون يعاقب هذا الرجل؟ وبأي أخلاق نحيا؟ وكيف تتفتح عيون الأطفال التي تتربى في البيوت على الخير والعلم والأخلاق والأمل ؟، كيف تخرج لمجتمع يملؤه أمثال هؤلاء وأشباهه؟ كيف تعيش وسط هذه الوحوش التي غفلت ضمائرها وماتت علاقتها الروحية بمن خلقها وعلمها وهذب أخلاقها؟ كيف وصلنا إلى هذا الوضع المتردي من انعدام القيم والبعد عن ديننا ووسطيتنا؟ أين الأزهر الشريف؟ أين القانون من هذا ال ياسين لاشين وملايين على شاكلته ممن يستغلون حاجة المرأة ويحترفون ابتزازها جنسيا ونفسيا وروحيا حتى تتحول إلى كائن بلا روح ولا أمل؟ أين المصريون الذين تنتهك حرمة نسائهم دون أن يهتز لهم جفن؟ ليس الاغتصاب وحده هو الكارثة، وإنما محاولات الابتزاز التي تتعرض لها المرأة في مصر يوميا وكل لحظة هي الأكثر إيلاما، فهي حرب للكرامة، والعزة والآدمية، والرزق، حرب بلا رحمة، ولا نخوة، معركة تخوضها النساء وحدها وبلا أي أسلحة، ولا معين..

لن أناقش أشياء كثيرة هنا مثل غض بصر الأجهزة الرقابية عن وقائع فساد الرجل الذي اعتاد تلقي الرشاوي والهدايا من الطلبة حتى يحصلوا على النجاح ..وكيف وصل إلى شاشات التليفزيون وأصبح ضيفا دائما ينثر سمومه على الموائد ويحصل على الأموال ليملأ خزائنه؟ وتصبح الشهرة والمال أهم أسلحته التي يطارد بها ضحاياه ويهددهم بهدر آدميتهم على أسنة تلك الأسلحة، فالأمر جلل، والمقطع الصوتي يشي بجريمة أخلاقية من الطراز الدامي، فهل من قانون في بلدي يقتص من مرتكب هذه الجريمة الأخلاقية ويجرده من تلك الأسلحة التي يدمر بها الأخلاق هو ومن كل من هم على شاكلته؟

كرم الله ورسوله المرأة، ووضع الله الجنة تحت أقدامها لما تعانيه من آلام.. وما تتحملة من أحزان وأعباء، وملأ قلبها بالرحمة والعطاء، وزرع في جوفها الحنان بلا نهاية، وجعلها الملاذ والسكن.. كيف يكرمها الله ورسوله، ويهينها خلقه ويستعبدون جسدها ويقهرون عزتها ويدهسون كرامتها ؟

كيف ترتكب جريمة أخلافية مثل هذه من أستاذ جامعي داخل أسوار جامعة القاهرة العريقة ولا ينتفض المجتمع بكل طوائفه وتتحرك كل مؤسسات الدولة لها؟ هل من ضمير يتحرك أمام هذه الجريمة ويعيد صياغة ما هو قادم من مستقبل خال من الابتزاز والتحرش بكل أشكاله وألوانه؟

الخير في هذه الأمة إلى يوم الدين كما قال رسولنا الكريم.. من هنا سوف أنتظر القادم من الأيام، وأعلم أن الله لن يترك ظلما ولا ظالما، وأن الحق سيطلق رايته في وجه كل من يحتمي بمثل أسلحة هذا الرجل المهترئة، وستصمد كل نساء مصر رغم انهيار القيم والأخلاق، وسينتفض المجتمع طاردا تلك الآفات الدخيلة عليه، القاتلة لبراءته وعفته.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق