الغباء الاصطناعي

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تباغتنا الحياة كثيرًا بما لا نريد، كأن يجور الزمن على حلم الثورة والحرية وأن يقتات المنتفعين على أسمى المفاهيم كالحقوق والوطنية والإنسانية، كأن تحكمنا الأفكار البائدة ذاتها وأساليب الحل والعقد ذاتها.
تباغتنا الحياة بما لا نريد كموجة حارة تأتي في غير وقتها المناسب، كأن نفترق ونلتقي دونما حسبان وإرادة. كنا جيل من المُجتمعين ولنا نقاط تقاطع كثيرة جدًا، جيل حسده الآباء ونعته البعض بـ “الجيل المُرفّه” فأصبحنا الجيل الذي تقطّعت به السُبُل بين الأحلام الضائعة والسجون والمشارح والبحث عن أبواب الهجرة والتغييب عن الزمان والمكان، أصبحنا بين ليلة وضحاها نفترق ونجتمع وتقوم بيننا المعارك الطاحنة مع كل حادث عابر أو “تريند” على صفحات التواصل الاجتماعي، حتى أصبح للمؤمنين بالحسد ألف عذر إن أسموه الجيل المحسود والذي فعلت به العين ما فعلت.
ومن مباغتات الحياة العجيبة والمفاجئة، ما يمكننا أن نطلق عليه مصطلح “صناعة الرأي العام العاجل” في مصر، الأمر المتمثّل فيما يحدث كلما كان هناك ما يثير الجدل والتخبط أمام الرأي العام كحادث انتهاك أو قضية فساد كبرى أو فضيحة من الفضائح اليومية التي أصبحت كمسلسل الساعة السابعة في الماضي القريب. هناك دائمًا أمر خفي يحدث خلال الساعات الأولى بعد الواقعة يليه ظهور أفواج المؤيدين المتدفّقة من اليمين لليمين ومن الأسفل للأسفل مرددين ذات النغمة الواحدة والقول الواحد بالأخطاء الإملائية والنحوية الموحّدة واستهلاك الفواصل وعلامات الترقيم هكذا على سبيل المثال (،،،،،،،) بشكل موحّد وغير مُبرر، فبين كافة الظواهر المُريبة والمباغتة أصبحت تلك الظاهرة هي أكثر ما يشغل بالي بشكل شخصي جدًا ودون أدنى علاقة بالانحيازات السياسية. الأمر جدير بالدراسة حقيقةً، كيف لمجموعة من البشر أن تجد في توحيد العبارات والأسلوب واللهجة انتصارًا لشخص أو لمؤسسة أو حتى لمضرب بنج بونج؟.

أطلقت على ذلك الوباء مسمى “صناعة الرأي العام العاجل” أو “المستعجل” حينما تخيّلت للمرة الأولى كيفية توجيه تلك الحسابات والتي لم يعد مناسبًا أن نطلق عليهم اسم “لجان إلكترونية” وذلك لأن الأمر لم يعد متعلق بحسابات وهمية مصنوعة لدعم نظام سياسي أو قرار حكومي أو سياسة إدارية، نحن أمام أشخاص من لحم ودم ارتضوا أن يكتبوا ذات العبارات بعلامات الترقيم الوفيرة ذاتها والأخطاء الإملائية الموحّدة.
تخيّلت كيف يقوم شخص أو مجموعة أشخاص بدعوة هؤلاء في جروب سرّي على موقع فيسبوك ثم ينشر لهم بطريقتهم المعتادة قائلًا عبارات من نوعية: “عااااااجل” و”شييييررررر على أووووسع نطاااق” بالإضافة إلى نقاط وفواصل وعلامات تعجّب واستفهام ونجوم وشبابيك واستغلال غير آدمي لعلامة الدولار $ والنسبة المئوية % إلى آخر تلك الأمور الأشبه بصناعة الطلسم والسحر الأسود والتي تفوق في استفزازها المعلومات الخرائية الكاذبة بينها. تخيّلت ذلك الشخص أو تلك المجموعة التي صنعت تلك الميليشيا الإليكترونية ذات اللغة الموحدة والطلاسم الجامعة في ذات وقت انتشار أخبار إيقاف التجارب على الروبوتات المسماة بـ “الذكاء الاصطناعي” بعد أن ابتكرت لغة تفاهم وحوار غير مفهومة فيما بينها وأصبح التطور والتعلّم لديها بمعدلات سريعة خارجة عن السيطرة البشرية مما ينذر بأخطار قد تؤدي إلى هلاك الجنس البشري على المدى البعيد أو على الأقل اخراطه في حرب كونية من تلك النسخة الهوليوودية. تخيّلت وقتها أن تكون تلك الميليشيا قد قامت بالتطوير من لغتها وإعادة ترتيب علامات الترقيم الخاطئة والحروف الخادعة بين “ذ” و “ز” مثلًا مع تكرارات الحروف غير المبررة وأن نكون أمام ميليشيا لها لغتها الخاصة ومهاراتها الخاصة أيضًا والتي بالتأكيد مازالت خفيّة أمامنا حتى الآن، وهنا لم أجد لتلك الظاهرة تسمية أنسب من “الغباء الاصطناعي”.

 

المصدر البديل

أخبار ذات صلة

0 تعليق