الحب فى الثمانين.. وخناقة عمرو وشيرين!!

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

نعيش زمن المادية.. قتلنا الرومانسية.. الحب تحول لمصالح أنانية.. بعد أن كان تضحية.. أنا ممن لم تفتنهم حسابات الربح والخسارة فى العلاقات الإنسانية.. يسخر منى أبنائى عندما تنساب دموعى مع الأفلام العاطفية.. أحتفظ بثلاث نسخ لفيلم «كازبلانكا» الشهير بالأبيض والأسود.. حوار همفرى بوجارت وانجريد برجمان أشبه بكرة بنج بونج.. تسجل هنا آهات وهناك عبرات.. تصورت أن هذا الزمن الجميل انتهى.. ولى الأدبار هرباً من طاعون الحسابات والتوازنات وعدم الرضا.. يقول علماء النفس إن الأحوال الاقتصادية وصعوبة الرزق أثرا على العواطف.. ربما يكون هذا صحيحاً فى جزئية، لكن الأهم أنك لم تعد ترى نماذج للعاشقين.. الأزواج يتطلقون بعد عام أو اثنين.. المخطوبون يرتبطون ساعات ثم ينفصلون.. الحب لم يعد مشاعر ولكن جنساً ورغبة وشهوة متقدة.. إذا انطفأت بعد يوم أو عشرة تسحب معها الكلام المعسول والغزل المصنوع..

من ثم إذا وجدت حباً دام عمراً وإخلاصاً استمر زمناً، فلابد أن تتوقف عنده.. تسأل عن أسراره وتبحث عن البوتقة التى انصهر فيها وصمد للزمن والتغييرات المزاجية والعمرية.. حب يستمر لما بعد الثمانين.. يرحل الشريك قبل عقود، ومع ذلك تستمر الجذوة تشعل ذكراه بين الحين والآخر.. أتحدث عن نهاد رزق ووديع حداد أو المطربة الكبيرة فيروز وزوجها الراحل عاصى الرحبانى الذى توفى عام 1986 تاركاً أسطورتين.. زوجته وموسيقاه.. هو الوحيد الذى جمع بين الشعر والموسيقى وكان يقود بعصا المايسترو الصوت والصورة معاً فى ظاهرة لم تتكرر على المسرح الغنائى العربى منذ ظهوره على يد يعقوب صنوع الصحفى والمسرحى المصرى فى منتصف القرن الـ 19..

أنا من عشاق فيروز.. كتبت عنها أكثر من مرة فى صحف مختلفة.. لكن ما حركنى هذه المرة هو الأغنية التى أطلقتها قبل شهر على اليوتيوب فى الذكرى الـ 31 لرحيل زوجها وتوأم روحها ونجاحها وهى «لمين».. امرأة فى الثانية والثمانين من عمرها تتذكر رفيق دربها بأغنية تذوب عشقاً وتقطر عذوبة وتبرهن أن صوتها ما زال ماسياً.. هذه المرأة التى وصفها مفيد فوزى مرة بـ «سيدة الأحزان» بعد وفاة زوجها وابنتها.. وقال عنها نزار قبانى «البوتقة اللبنانية» فى إشارة إلى إجماع كل الطوائف المختلفة عليها من موارنة وسنة وشيعة ودروز.. أما أنا فاراها «سيدة الإحساس».. فما زالت قادرة على إبهارك وامتلاك حواسك فى ثلاث دقائق ونصف هى عمر الأغنية التى اقتبستها ابنتها ريما الرحبانى من أغنية المغنى الفرنسى الراحل جيلبير بيكو..

لو استمعت للأغنية بقلبك وليس بأذنيك ستدرك أن فيروز ترسل «تويتة» حب لزوجها العبقرى.. تناجيه فى كلمات فيها من العشق والاشتياق بقدر ما فيها من ألم الذكريات.. تقول بعض كلماتها «لمين؟ إلك أو إلى أو مش لاشى».. امرأة استثنائية فى زمن القبح.. اختلفت مع زوجها.. انفصلا عن حب.. لم يصدر عنها كلمة واحدة فى حقه.. بكت فى أول حفلة بعد رحيله وهى تغنى «بيعز عليا غنى يا حبيبى لأول مرة ما بنكون سوا».. «لمين» أغنية تخلق حالة من النضج الفكرى والعاطفى.. تسأل بعد هذا العمر وتجىء الإجابة فى كلمات أكثر حكمة.. تقول إننا فى دوامة تزج بنا للعالم الواسع ولسنا محور الكون فلا ننحصر فى الذاتية بل نساير المتغيرات الكثيرة من حولنا ومع ذلك لاننسى أبدا من شاطرناه الحياة..

إنه الوفاء لحب أسطورى عشناه معهما فى ليالى الصيف وليالى الشتى وليال حزينة.. أى حب هذا الذى يجعلها تترك منزل الزوجية بحقيبة ملابسها فقط.. بدون كلمة عتاب.. بدون الخوض فى خصوصياتهما للصحافة اللبنانية الشرسة.. ورغم عبقرية الأغنية ورسالتها فإن كثيرين يرون أن مقام وقامة فيروز لا يصح معهما أن تقتبس «كوبليهين» أكدا أن الجمال يمكن أن ينتصر على المادية والحيوانية التى يتسم بها العصر.. بكلمة واحدة هى عنوان الألبوم «ببالى» وليس غيره «عاصى» بقلبها.. مثل جميع المصريين نشأت على صوت أم كلثوم، كان لدينا «جرامفون» فى منزلنا لتشغيل الأسطوانات، فى الستينيات استبدلناه بـ «البيك آب» الأحدث والأسهل فى التنقل به، لأنه يعمل بالبطاريات.

استأذنت أبى لاستعارته فى أحد الأيام لرحلة مدرسية، وافق، ذهبنا للأهرامات ومعى أسطوانة واحدة لكوكب الشرق، صديقنا مروان، أمه سورية، أحضر معه شيئاً مختلفاً، فيروز، بمجرد أن أدرنا الجهاز انطلق صوت ملائكى أجبرنا نحن المراهقين المشاغبين أصحاب الصوت العالى على الهدوء.

نقلتنا سيدة الملكوت الغنائى إلى رحاب أوسع وأرقى من الدنيا المادية، أحسسنا أننا نصعد معها سلماً سماوياً جميلاً.

كنا فى عام 1968 وغنت قصيدة «القدس» شحنتنا بطاقة إيجابية رائعة لدرجة أننا كنا نريد ترك الدراسة والالتحاق بالجيش.. وقفت فى نفس العام أمام ميكروفون الإذاعة المدرسية وكنت مديرها وقلت لزملائى «من الآن سيتبع السلام الوطنى أغنية من أغانى فيروز الثلاثين عن فلسطين».. بالمناسبة هى من نفس برجى الفلكى «القوس» غير أنها شذت عن سماته فهى ليست هوائية أو مزاجية ومع ذلك فهى تملك ناصية كل الجينات العبقرية.

حبى لها دفعنى لاكتشاف مناطق كثيرة لا يعرفها القارئ العربى عنها، فقد لحن لها السنباطى ثلاث قصائد للشعراء عبدالوهاب محمد وجورج جرداق وأنسى الحاج ولم تر النور وأودعها لدى صديقه الملحن وعازف العود ميشيل المصرى..

كان مقرراً أن يذهب السنباطى لها لتحفيظها الألحان، لكن اندلعت الحرب الأهلية عام 1976، وخاف الملحن، طلب منها أن تذهب للكويت ويسجلا الألحان هناك، فرفضت بشدة، وغضبت قائلة «كيف أترك بلدى فى حالة حرب وأذهب لدولة أخرى لأغنى؟».

قال عنها نزار قبانى إن الوطن ولد كقصيدة على شفتيها، لم تغن لمصريين إلا لأميرهم أحمد شوقى فى «جارة الوادى» ولنزار قبانى «لا تسألونى ما اسمه حبيبى»، ووافق الرحبانية أن تغنى لعبدالوهاب «سهار»، و«خايف أقول اللى فى قلبى»، و«مر بى»، و«جارة الوادى».

فيروز هى كل شىء، الحب والإيمان والإنسان والجمال، وهى الأغنية التى تنسى دائماً أن تكبر، هى التى تجعل الصحراء أصغر، والقمر أكبر.

احترت كثيراً وأنا ألملم ارتباطى الوجدانى لأكتب عنها وأتساءل هل كان بسبب قصة حبى التى ضاعت لأن حبيبتى كانت تفضل شادية؟ أم أحكى عن غناء مطربة عالمية هى ميراى ماتيو الفرنسية لإحدى أغانيها «حبيتك بالصيف» دليلاً على مكانتها العالمية؟ أم عن قصيدة «مكة» التى كتبها سعيد عقل القبطى وغنتها المسيحية فيروز؟ فجاءت كأعظم ماتم غناؤه لقبلتنا نحن المسلمين.

لكنى فضلت أن أكتب عما تمثله فى قلوب اللبنانيين، ففى عام 1976 كان القصف على بيروت ينطلق من جميع المتحاربين، لكن عندما كانت تخرج من بيتها يتوقف القصف من جميع الأطراف حتى تعود لبيتها، اتفقوا جميعاً على حماية فيروز، فحتى لو تم تدمير لبنان، فهى قادرة أن تعيده للحياة من جديد!

امرأة فى هذا العمر تبعث برسالة لمن يتصورن انهن فنانات أو ممن حظين ببريق شهرة زائف فى وقت نضبت فيه المواهب.. الأغنية تجسيد لحالة حب وعشق انسحبا من الحياة.. صوت لم تنل منه الأعوام لإصرار صاحبته على زرع الجمال والأمل.. لم تعش يوماً إلا لتغنى، وجعلت الغناء غاية وجودها وهوية وانتماء ووطنا.. قال عنها زوجها الراحل «الكل شىء هى.. الكل شىء صوتها.. الكل شىء وجودها».. لم تفكر يوماً فى المنافسة، لم تشتعل غيرة من مطربات أو مطربين.. ويبدو أن سلامها النفسى وفر لها طمأنينة الثقة.. لم تنزل يوماً إلى مستوى التنافس البشرى الذى كان بين حليم وفريد رحمهما الله.. أو بين الراحلتين فايزة أحمد ووردة.. وانتهاء بما يدور حالياً بين شيرين وعمرو دياب..

ويبدو أن زمن الحب والوفاء والإخلاص تزامنت معه مفردات الاحترام والشرف وتوقير الآخر مهما كان كبيراً أو صغيراً.. لكن زماننا أصبح الفن فيه يقاس بما يتقاضاه المطرب أو المطربة.. سينطفئ نجوم الجيل الحالى سريعا خصوصاً أن بعضهم أغراه المال وتصور أنه النجاح والشهرة مع أنهم للأسف بدأوا الانزلاق على درب النسيان رغم مواهب بعضهم التى انزوت أمام بريق الأصفر الرنان وكؤوس الطلا ألوان..

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق