«الجوروا»

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يهدى الروائى والناقد د. زكى سالم هذه القصة الصوفية الجميلة لقراء العمود:

■ ■ ■

«على قمة جبل ضخم فى الهند، وبعد الصعود فى طريق طويل ملتوٍ بين الأشجار، يوجد معبد فى منتهى الجمال. منظر العالم من أعلى يختلف كثيرا عنه فى الأسفل. البحر بألوانه الزرقاء المتباينة ممتد بل ومتداخل مع نهاية الأفق المزدان بألوان الطيف. ومن حولك خضرة بديعة شاسعة وأشجار كثيرة ومتنوعة، بالإضافة إلى حيوانات كثيرة تتحرك بحريـة هنا وهناك. وثمة حال من الروحانية الغامضة تحيط بك فى شتى أنحاء هذا المعبد المزدان بألوان جميلة زاهية. ويأخذ لُبك جو أسطورى غريب، يحلق بك فى عالم الخيال والأحلام.

■ ■ ■

بيد أننى سألت عن هذا الطابور الطويل من الرجال والنساء الواقفين فى هدوء أمام باب حجرة صغيرة بجوار مدخل المعبد الكبير. فسمعت أعجب كلام يمكن أن تتخيله. فهؤلاء الناس ينتظرون المثول أمام رجل روحانى، أو (الجوروا) كما يطلقون عليه هنا، يستمع إلى تساؤلاتهم، ويجيب عليهم بعد ذلك، ولكن فى الأحلام.

■ ■ ■

أول الأمر لم أستوعب كلامهم، وظننت أننى فهمت الأمر خطأ. لكنهم أكدوا لى، وقالوا: جرب بنفسك. عرفت أنهم يأخذون مبلغا ضئيلا كتبرع، فقلت فى نفسى هؤلاء لصوص يسرقون المغفلين. لكنى سمعت ممن حضروا قبل ذلك أنه تجلى لهم فعلا فى منامهم، وأنهم جاءوا إلى هنا متكبدين مشقة صعود هذا الجبل الهائل من أجل أن يكلمهم مرات أخرى فى أحلامهم. كنت شبه متيقن أن الأمر خداع للبسطاء. إذ إن منهم من لم يتذكروا ماذا قال لهم بالضبط فى الحلم، ومنهم من يتذكر جيدا أنه شاهد رجلا يشبهه، لكنه للأسف الشديد نسى كل شىء فجاء إلى هنا مرة أخرى لكى يتسنى له رؤية هذا الرجل (الجوروا) المقدس فى المنام ثانية. والأغرب أن هذا (الجوروا) لا يتحدث إلى الناس فى(حال اليقظة)، وإنما يحدثهم فقط فى (حال النوم).

■ ■ ■

وقفت منتظرا مدة طويلة فى الطابور، وأخذت أستمع إلى حكايات لم أصدقها، فقد فهمت الخدعة جيدا، فلو أنه لم يأت لك فى المنام، ستتصور أنك نسيت الحلم، طالما كل هؤلاء الأفاكين يؤكدون لك أنه جاء إليهم فى أحلامهم، فالبشر يمكن أن يصدقوا أى شىء يقوله عدد كبير من الناس.

وأخيرا دخلت إليه فى حجرته، فوجدته جالسا مربعا على الأرض، ورائحة البخور تملأ الحجرة، بينما نظرة الرجل إلى أدهشتنى فكأنما يرى من خلالى! مساعده سألنى إن كنت أحب أن أسأل عن شىء؟ فقلت له: لا. فقال لى إذن تفضل، فقلت له: إلى أين؟ قال: خلاص المقابلة انتهت، وسيأتى لك فى منامك، ويقول لك ما تحتاج إلى سماعه.

■ ■ ■

خرجت من الحجرة وأنا أسب وألعن، فقد خدعنى هؤلاء الهنود اللصوص. وحين عدت إلى حجرتى بالفندق كنت فى غاية الإجهاد. فأكلت بشهية وشاهدت جزءا من فيلم فى التليفزيون ونسيت الموضوع تماما، ونمت دون حتى أن أغلق التليفزيون، وما إن استغرقت فى النوم، حتى رأيته جالسا أمامى، وهو ينظر إلى بنفس الطريقة العجيبة، وكأننى تحولت إلى زجاج شفاف يرى من خلالى.

عقدت الدهشة لسانى، فلم أقل شيئا، فتكلم هو، وقال كلمات قليلة ثم اختفى فجأة كما جاء. قال لى: لقد تسرب الزمن بسرعة من بين يديك، ولم يبق أمامك إلا أقـل القليل، فأنتبه لنفــسـك».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق