ترامب أخطر على أمريكا من الإرهاب و«النووى»!

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

السببُ أنك لو تأملتَ قصة الولايات المتحدة، لوجدتَ أن أعظمَ مواطنِ قوتِها هو مؤسساتُها. المؤسساتُ هى ما جعل أمريكا على ما هى عليه من المنعةِ والنفوذ. كلُ مظاهرِ الثروةِ والتفوقِ العلمى والقوةِ العسكرية الطاغية هى منتجاتٌ لهذه المؤسسات. لبنائها العبقرى، واستدامتها عبر الزمن. ترامب، بشخصه وسياساته وطريقة ممارسته للحكم، يضرِب مؤسسات أمريكا فى مقتل. هو أخطرُ عليها من صواريخ كوريا الشمالية، أو عمليات داعش الإرهابية!

مؤخراً، لم يجد «ترامب» حرجاً فى أن يُفصح- علناً- عن رأيه بأن النائب العام «ضعيف». هو لم يستبعد أن يُطيح به (هكذا!). السبب الظاهر أن هذا النائب العام، وهو من أشد مناصرى ترامب، كان قد تنحى عن مُباشرة التحقيق فى قضية التدخل الروسى فى الانتخابات الأمريكية. حجةُ النائب العام أنّ تضارُب المصالح لا يؤهله لمُباشرة تحقيق مثل هذا. حسناً فعل. البديل كان تعيين لجنة مستقلة للتحقيق برئاسة «روبرت مولر»، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية السابق، والمعروف بالصرامة والاستقامة. يُقال إنه يُباشر تحقيقاً بالغ الجدية. غاية التحقيق هى الوقوف بدقة على ما إذا كان الرئيس ودائرته المُقرَّبة قد سمحوا لأنفسهم بالتورط فى علاقات «مشبوهة» مع الروس كانت سبباً فى فوز ترامب.

ليس هذا فحسب، ولكن هناك ثلاث لجان برلمانية تُحقق فى نفس الموضوع. التحقيقات تُركز على دور «كوشنير»- صهر الرئيس- وكذا على ابنه. الأهم فى كل هذا أن هذه اللجان لا يترأسها ديمقراطيون، بل جمهوريون (حزب الرئيس الذى يحظى بالأغلبية فى غرفتى الكونجرس!).

رد فعل الجمهوريين إزاء الطريقة التى يُمارس بها الرئيس الأمريكى سُلطاتِه لابد أن يلفِتَ النظر. جون ماكين، الجمهورى العتيد، صوّت ضد القانون الذى اقترحه «ترامب» بديلا لقانون أوباما للتأمين الصحى، المعروف بـ«أوباما كير». الأهم أن الجمهوريين سنُّوا تشريعاً مؤخراً يفرض عقوبات إضافية على روسيا، فى تحدٍّ لسياسة الرئيس الداعمة للتقارب مع موسكو وبوتين. الأخطر أن القانون ينطوى على بند يغِل يد الرئيس عن رفع العقوبات عن روسيا فى المستقبل من دون موافقة الكونجرس. المعنى الوحيد الذى يُستشَفُّ من هذا أن الجمهوريين لا يثقون فى الرئيس. لا يأتمنونه على إدارة سياسة خارجية مُنزَّهة عن الهوى مع طرفٍ مُهم مثل موسكو. يا لها من إهانة!

لماذا تنتفضُ المؤسسات الأمريكية بهذه الطريقة؟

لأن «ترامب»، بمسلكِه الأرعن والمُتفلِّت، يهدد استقرارها الراسخ. المؤسسة السياسية هى النواة الصلبة لأى نظام سياسى. هى ما يُعطى النظام معناه واستمراريته. بناء المؤسسة يستغرق زمناً طويلاً. هى عملية أصعب كثيراً من تحقيق نمو اقتصادى أو تقدم عِلمى. عملية مُضنِية تتطلب تواصلاً عبر أجيال.

المؤسساتُ تعيش وتبقى لأنها تجد مَن يُدافع عنها. مَن يُنافِح عن القيمِ التى تُمثلها. فى غيابِ ذلك، فإن المؤسسة تصير مجرد بناية. هيكل بلا مضمون. فى النهاية، المؤسسة تعنى مجموعةً من الممارساتِ وأنماطِ السلوكِ المتواتر. الدفاعُ عنها هو فى جوهرِه دفاعٌ عن أعزِّ ما لدى المجتمع: قيمه.

قوة المؤسسة الحقيقية مُستمدةٌ من قدرتها على التكيف. يقول الفيلسوف الإنجليزى إدموند بيرك: «إن دولة لا تمتلك الوسائل لإحداث التغيير هى دولةٌ لا تمتلك الوسائل للحفاظ على ذاتها». المؤسساتُ الأمريكية أظهرت قدرة هائلة على التكيف مع الظروف. لهذا استمرت ورسخت.

فى عام 1936، كان فرانكلين روزفلت قد حصل على ولايته الثانية بتفويض شعبى كبير. حزبه (الديمقراطى) كان يُسيطر على الكونجرس. مُشكلته أن المحكمة العُليا وقفت فى طريق بعض القوانين المُهمة التى اقترحها لتحقيق الضمان الاجتماعى الشامل لأول مرة لكل الأمريكيين. هو أراد الالتفاف على هذه الممانعة.

اقترح قانوناً جديداً للمحكمة العُليا يُحتِّم تقاعد أعضائها بعد السبعين بحجة أن حجم العمل يفوق قُدراتهم الصحية. هذا كان سيُتيح له إزاحة ستة قُضاة دفعة واحدة، وبالتالى تعيين مُوالين له. لاحظ أن هدف الرئيس كان نبيلاً بالفعل، وهو تمرير إصلاحات اجتماعية مهمة. حجته كانت قوية، وهى أن المحكمة قد تجاوزت صلاحيتها بالانغماس فى السياسة. مع ذلك، فإن الكونجرس- ذا الأغلبية الديمقراطية- رفض القانون المُقترح لأنه رأى فيه خرقاً للدستور. الدفاعُ عن المؤسسة يسبق، فى الكثير من الأحيان، المصلحة السياسية المُباشرة. الدفاعُ عن المؤسسة هو صيانة للملعب السياسى ذاته. لقواعد اللعبة وقوانينها الحاكمة. إنه هدفٌ يصغُر أمامه أى مكسب سياسى عابر، أو مصلحة حزبية ضيقة.

لا نعرف علامَ ستنتهى قصة ترامب، ولكن المؤكد أن المؤسسات الأمريكية تواجه اختباراً صعباً وفاصلاً.

gamalx@yahoo.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق