من الأولى بالدمج المواطن أم الإرهابى؟

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

ترددت عقب الهزائم المتلاحقة التى يواجهها تنظيم داعش فى سوريا والعراق أسئلة حول المقاتلين الأجانب الذين سيعودون إلى بلادهم فى أعقاب هزيمة داعش النهائية وانهيار دولته بالكامل، وهل بالإمكان دمج هؤلاء الإرهابيين من جديد اجتماعيا وسياسيا؟.

فى الغرب ربما مع الكود الغربي لحقوق الإنسان بالطبع بالنسبة لمواطنيهم، فهم يشعرون بمسؤولية قانونية وأخلاقية تدفعهم للتفكير بجدية فى إعادة دمج هؤلاء والاستفادة من تجاربهم، حتى لا تتكرر الظاهرة داخل هذه المجتمعات، كما أن الدمج السياسي لا يمثل مشكلة لدى الغرب لأن قضية التداول السلمى للسلطة والحقوق والحريات السياسية مستقرة تحت راية المواطنة التى تجعل المواطن وإن انحرف عن الجادة مواطنا له حقوق، يحاكم وفق إطار قانونى محدد لايحرمه الحقوق التى كفلتها له الدساتير والقوانين.

عندما يقع مواطن غربي ضحية للتطرف والإرهاب لا يتم الاكتفاء بالتعاطى معه باعتباره مجرما تحتفظ الجهات الأمنية بملفه، وتتولى التعاطى معه عبر وضعه على قوائم ترقب الوصول أو السعى لتسليمه عبر اتفاقيات تبادل المجرمين وفقط، بل يتم التعاطى مع الظاهرة باعتبارها جرس إنذار يعنى أن مؤسسات التنشئة والرعاية الاجتماعية والسياسية فى هذا البلد ليست فى أفضل أحوالها، وأن تلك المنظومة لديها خروقات أو ثغرات تستدعى المسائلة والمحاسبة والتقويم، ومن ثم تبدأ كل المؤسسات المعنية فى فتح ملفاتها وتدقيق أوجه نشاطها لاكتشاف الثغرات وسرعة علاجها.

نحن أمام مؤسسات تدرك أن دافع الضرائب يدفع مرتباتها لكي تقوم بأدوارها، ويراقب أدائها عبر برلمانات حقيقية وصحافة حرة تتمتع بالحق فى الحصول على المعلومات وحرية الحركة والتفتيش فى أى ملف يتعلق بحقوق الناس، دون أن يشهر فى وجهها سيف الأمن القومى الذى يحتفظ فى تلك المجتمعات بتعريف حقيقى غير مبتذل.

بروز ظاهرة التطرف لدى شاب أو فتاة غربية يستدعى فورا أن تبدأ المؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية فى بحث الأمر، والاستعانة بكل المختصين لتشخيص المرض ووضع توصيات وسيناريوهات العلاج المناسبة، والتعامل مع هذا المتطرف أو الإرهابى وفق مسارين: الأول قانونى يتقيد بالقانون وسياقاته العادلة، والثانى اجتماعى أو إنسانى ينظر للإرهابى باعتباره إنسان مريض بمرض حقيقى يحتاج إلى علاج، ومن هنا تبدأ فور نهاية المسار القانونى أو حتى بالتوازى معه عملية علاج نفسى وفكرى تنشط فيه كل مؤسسة معنية بآداء دورها، حتى يعود هذا المواطن فور الانتهاء من عقوبته مواطنا صالحا لمجتمعه، فاعلا فى مسيرته، مشاركا كأي مواطن طبيعي موفور الحقوق والواجبات.

لذا لا يبدو عنوان المقال الذى يحمل هذا السؤال مشروعا بالنظر إلى أن المواطن فى هذه المجتمعات حتى وإن انحرف عن الجادة يبقى مواطنا له حقوق حتى وإن تحول إلى إرهابى، لكن نفس السؤال يبقى مشروعا فى مجتمعاتنا النكدة التى تعرضت فيها مساحة الحقوق والحريات لعصف غير مسبوق وتأكل غير عادى.

أدهشنى سؤال أحد الصحفيين عن مستقبل الأحزاب الدينية فى مصر، فأجبته ساخرا وهل تعتقد أن الأحزاب غير الدينية لها حاضر أو مستقبل فى مصر ، خصوصا مع مصادرة ساحة العمل السياسى بالكامل.

لا يمكننا الحديث عن واقع طبيعى لدولة ومؤسسات لكي نتحدث عن دمج المواطن سياسيا واجتماعيا، مع واقع مؤسسات هى بطبيعتها لا تعمل سوى لمصالحها الذاتية ومصالح من أعطته ولائها وليس هو المواطن بالطبع، فمؤسسات الدولة المصرية لا ترى المواطن ولا تشعر به، هى فقط تكتفى بالحديث الدائم عن خدمته ورعايته.

لا يحظى المواطن العادى بالحق فى التعبير أو التغيير وهما صنوا عملية الديمقراطية اللذان دون اجتماعهما لايمكن الحديث عن دولة مدنية أو ديمقراطية حقيقية؛ لذا يبدو الحديث عن دمج الإرهابيين فى مجتمعاتنا لونا من ألوان السخرية، فالإرهابى لدى أي نظام عربى هو قاتل مأجور يتمنون قتله حتى لو ظفروا به برصاصة تخلصهم منه دون قيد من قانون أو خلق،كما أنهم ينظرون للمواطن الصالح الذى يتقيد بالقانون باعتباره عبئا على الدولة يتمنون الخلاص منه إما بالهجرة، لكي يتحول إلى ممول لخزائن اقتصاد ريعى كسول، أو موته لينخفض رقم الدعم الذى تضيق به كل الحكومات.

المواطن لديهم هو مجرد رقم يدفع الضرائب والإتاوات، فإذا لم يستطع دفعها، فهو عبأ يجب التخلص منه أو تركه صريع الإهمال والقمع.

لم تعد مؤسسات الدولة المصرية معنية سوى بتدبير مرتبات موظفيها، ولم يعد نشاطها أو عملها محل نظر أو تقييم من أى جهة، وهذا الواقع نعيشه منذ أربعة عقود على الأقل وكانت الثورة فقط التى امتلكت حلم تغيير ذلك، وعندما فشلت وتم الالتفاف عليها وإعادة تدوير النظام القديم تحت عناوين جديدة، أعيد استئناف نفس المعادلة مؤسسات فى خدمة منسوبيها والنظام الذى يحكم فقط.

تبقى المشكلة فى فلسفة النظام الحاكم الذى يتحدث عن خدمة الناس بينما هو منخرط فى دأب فى خدمة تحالف السلطة ورأس المال، والانتقام الممنهج من الطبقة الوسطى التى يظنها سبب الثورة عليه ساعيا إلى جرها إلى مساحة العوز الذى يتصور أنه سيجعلها أطوع.

فى معادلات حكم من هذا النوع لا يستطيع أحد أن يتحدث عن دمج الإرهابى قبل دمج المواطن العادى، وأتصور جازما أن دمج المواطن فى النهاية يحميه من التحول إلى إرهابى يكفر بالدولة والمجتمع، وذلك أول خطوات علاج التطرف والإرهاب، وهو ما لا أظن أن الدولة راغبة فيه، حيث يبقى الإرهاب ذريعة مثالية وعذر مقبول فى تأجيل التحول الديمقراطى والمدنى.
ما أعتقده أنه لو عادت الدولة الراشدة بحق لانتفى سؤال هذا المقال.

المصدر البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق