بيتى أنا.. بيتك (2)

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لقد كان يحب الرياضيات ولم يصبح مهندساً، ويحب الفلاحة ولم يأخذ قطعة أرض ليزرعها، ويحب السينما ولم يدرسها. أحب أشياء كثيرة وبرع فى أغلبها، لكنه ما اشتغل بشىء منها وأسلم نفسه للناس فصار طبيباً كما أرادوا له.. وها هو يأتى إلى عاصمة النور على حساب شركة الأدوية الكبيرة مكافأة له على زيادة مبيعاتها، ليحضر مؤتمراً طبياً تدور فعالياته حول ترويج دواء جديد مشكوك فى جدواه!. إن الهدايا التى تقدمها شركات الدواء للأطباء فى مصر المحروسة تتراوح بين زجاجات عِطر وسفريات إلى أوروبا وأمريكا، وتتوسطها رحلات داخلية إلى الغردقة وشرم، مع علب ماكياج للمدام وتذاكر مسرحيات وحفلات غنائية.. الخلاصة، كل أنواع الرشاوى يتم تقديمها لأطباءٍ لا يتورع جانب منهم عن فتح بطن مريض لا يحتاج لعملية من أجل لهط الأتعاب. وبالرغم من أنه لم يكن من هذا النوع من الأطباء، كما أنه لم يتعمد أبداً وصف أدوية لا يؤمن بقيمتها وملاءمة سعرها، إلا أنهم دعوه لهذا المؤتمر الباريسى!. أخرج من جيب سترته بطحة معدنية بها شراب كحولى ممزوج بالكولا.. إنه لا يحب الشرب، لكن أعجبته فكرة الوعاء المعدنى الذى يدخل فى جيب السترة الداخلى والتى رآها فى أفلام كثيرة وأغرم بشكلها!.. أخذ جرعة ثم جرعة أخرى ولمعت عيناه وهو يقف مبتسماً بجوار عمود نور.. ابتسم لأنه تذكر أن معدته ستلفظ الشراب وتدفعه للخارج بعد قليل، لكنه على الأقل فعل ما يريد رغم المعدة الغبية!. على إحدى النواصى، وجد باراً خافت الأضواء ذا لافتة زرقاء تحمل اسم «دولفين»، قرر أن يدخل ليسمع ثرثرة الناس ويلقى بنفسه فى وسطهم، لكنه فوجئ بالمكان الخالى إلا من زبون عجوز يجلس فى أقصى المكان ونادلة صغيرة تقوم بتلميع الأكواب وتستعد فيما يبدو للإغلاق. لاحظ جمالها فجلس قبالتها وطلب كوب ماء. أحضرته له وانصرفت إلى شأنها، بينما أخذ هو يتطلع إلى حُسنها البادى ثم يقلب بصره بينها وبين سقف المحل وجدرانه المكسوة باللوحات.. وفجأة، ارتفع صوته بالغناء بدون مقدمات وأخذ ينشد: «بيتى أنا بيتك.. وما إلى حدا. من كتر ما ناديتك وسع المدى. نطرتك ع بابى وع كل الأبواب. كتبت لك عذابى ع شمس الغياب. لا تهملنى لا تنسانى.. مالى غيرك لا تنسانى. بلدى صارت منفى. طرقاتى غطاها الشوك والأعشاب البرية. ابعت لى بها الليل من عندك حدا يطل على».

للغرابة، وجد الفتاة الفرنسية تنظر إليه والدمع ينسال من عينيها.. قام فأخذها من يدها لوسط المحل وهمس وهو يراقصها بأن ما يغنيه هو ترنيمة كنسية شرق أوسطية. رجته أن يكمل الغناء فأنشد: «من أيام المظلومين، من لفتات الموعودين، عم أنده لك خلى يضوى صوتك عليّ.. وأنا ع الوعد وقلبى طاير صوبك غنيّة. لا تهملنى لا تنسانى يا شمس المساكين. من أرض الخوف بننده لك يا شمس المساكين. أنا زهرة من زهورك.. باركنى ساعدنى. بالدمع بتزرعنى، بالفرح بتحصدنى. عدلك فاض عليّ كرمك ضوانى. إذا كِلُنْ نسيونى وحدك ما بتنسانى. ناديتك من حزنى عرفت إنك معى.. وسعى يا مطارح ويا أرض اركعى».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق