نداء بعيد من الشاطئ!!

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لزمن طويل.. ومرحلة جميلة فى الحياة عندما كنا صغاراً كان تعريفنا لمعنى البطل ينحصر فى الشخصية التى كانت تدور حولها بطولة القصة التى نقرأها أو الفيلم الذى نشاهده بغض النظر عما كانت تتمتع به هذه الشخصية من صفات تعجبنا أو لا تروق لنا.. فى النهاية هو هذا «البطل» وهذا المعنى الذى يحمله بين مفهوم يتأرجح بين الشجاعة أو الخسة.. ورغم أننى نشأت وسط مفاهيم تؤكد أن كل واحد منّا هو البطل الحقيقى لقصة حياته، وأن أفعاله هى مسؤوليات يكتسبها ويستمدها من حريته التى تحدد مبادئه واتجاهاته، ومن ثم تصنع منه بطلاً أو جباناً.. بالرغم من ذلك لم أستوعب كثيراً هذا المعنى بأبعاده الشاملة، وما يحمله من معان عميقة، حيث ظلت كلمة «بطل» ترتبط بدور «البطولة» فقط، وهو خلط وارتباك للمعنى لا يستوعبه كثيرون حتى الآن.

وعندما ظهرت أسطورة «سوبرمان» التى خلقتها هوليوود وتحولت إلى قصص وأفلام بهدف تصحيح مفهوم البطل - البطل - الذى تتسم أفعاله بالقوة والنبل والالتزام واتخاذ القرارات الحاسمة الشجاعة، دون الالتفات إلى عواقب هذه الأفعال، بدأت أشعر أن أجيال سوبرمان ربما سوف يدركون هذا الفارق للمعنى، حتى تعرض البطل الحقيقى لأفلام سوبرمان «كريستوفر ريفز» إلى حادث مروع، أصابه بالشلل وأفقده القدرة الكاملة على الحركة لأكثر من 7 سنوات، وذلك بعد أن سقط عن حصانه، حيث شاء القدر أن يمثل دوراً بطولياً حقيقياً فى الحياة، وكأن القدر شاء له أن يستمر فى رسالته التى ألهمت الملايين من قبل، مضيفاً مرة أخرى معانى جديدة وإلهاماً حياً لمعنى هكذا يولد الأبطال ثم يرحلون عنا أحياناً.. وأحياناً أخرى يعيشون بيننا ولكننا لا نراهم ولا نشعر بوجودهم، ولا نقيمهم بما يستحقون، ربما نهمش وجودهم.. قصصهم.. مشاهد حياتهم قد تصنع رواية أو ملحمة بطولية ربما تكون من صنع الأقدار، ولكن يصبح البطل فيها هنا مَنْ تحًّمل هذه الأقدار وصعد لهذا القدر إلى مرتبات أعلى لا يعرفها الكثيرون منا، ولعل هذا المفهوم الذى ينبغى أن نطلقه على معنى «البطل» بعيداً عن المفاهيم المعتادة التى تآلفنا معها.

أقول ذلك وأنا أقضى إجازتى الصيفية فى الساحل الشمالى، أنظر حولى لهذا المجتمع الضائع المتفسخ الذى يلهث هنا وهناك فى حركة مكوكية بين شواطئه ومنتجعاته.. بين سهراته وولائمه. بين صرع استهلاكه ومشترياته.. أسلوب حياة أصبح مكرراً كل عام لم يتغير، بل للأسف يزداد سوءاً ويزداد مفهوم «الرفاهية» قبحاً وسطحية.. بينما كان من الممكن أن يتحول إلى لغة تحمل معانى العطاء والتعاطف والامتنان.

أقول ذلك وأنا أتذكر بطلاً - نعم أعتبره أنا بطلاً قابلته منذ سنوات قليلة وهو يخدم عند إحدى صديقاتى ودار بينى وبينه حوار إنسانى بعد أن أفرغ لى كوباً من الشاى وأنا فى انتظار نزول صديقتى، ثم ذهب ليقف بعيداً شارداً ينظر إلى الأفق الممتد وكأنه يتحدث إلى الله.. «عيد»، هذا الخادم الذى جاء من عشة عشوائية فى القاهرة يخدم فى إحدى الفيلّات الفاخرة المطلة على أجمل الشواطئ، حكى لى عن حياته فى عشته الصغيرة التى تركها بعد أن ضاقت عليه بسكن أكثر من 12 فرداً من أسرته.. كان تشبيهه للحياة هنا بالمقارنة لحياته صادماً!! وهكذا أنقله إليكم مرة أخرى.

قال: العشة هنا اسمها قصر يا سيدتى، والأجساد هنا تتلاصق أيضاً ولكن برغبتها!!.. الأحلام هنا لا تصدر أصواتاً مفزعة، ولكن ترسم ابتسامات حالمة.. زملاء المحنة وعابرو السبيل هناك هم الأصدقاء والأحباب الذين يقضون الليل فى سهرات ممتعة.. بكاء الأطفال هنا يسكت بلعبة.. والعرق هنا له رحيقه الخاص بعد ألعاب رياضية مفرحة.. الدعوات والتنهيدات هنا لمزيد من الحظ والرزق وليس من أجل سد الجوع والحاجة.. والرغبات الفاشلة هناك لها هنا ألف حل ومخرج، هنا يا سيدتى تسمعين الموسيقى الحالمة وتغوصين فى المياه المعطرة، وتركبين السيارات الفارهة، وتأكلين مما لذ وطاب.. ومع ذلك يبقى الأصل يا سيدتى الذى تركته دون وداع، معلقاً بجسده الثقيل وهمومه الكثيرة على كتفى.. أخرج به إلى هذا الفضاء وهذا الأفق الممتد أمامى، لعل السماء تكون أبوابها هنا مفتوحة.. ربما تكون أكثر رحمة وقبولاً لدعواتى القليلة!!

ذهبت حتى أرى «عيد» مرة أخرى هذا الموسم.. صديقتى قالت إنه رحل.. عاد إلى عشته الصغيرة، تاركاً رسالة قصيرة قال فيها: سوف أبحث عن سماء جديدة ربما تكون أبوابها مفتوحة، تسمع منى دعواتى القليلة وأنتظر منها كرم عطائها!!.. نعم «عيد» بطل.


Selnakkady@gmail.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق