التفاصيل الخفية في تصادم قطاري الإسكندرية

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
كتب: بسمات السعيد وهاجر حمزة

مشاهد دموية أليمة، وأشلاء جثث مجهولة الهوية، وعاهات مستديمة، وصرخات أمهات تفقد أطفالها، وبكاء أطفال على جثث ذويهم، وحطام عربات مهشمة خارجة عن القضبان، ووفاة 42 مواطنًا وإصابة 179، هى حصيلة ليلة سوداء عاشتها الإسكندرية منذ عصر الأمس وحتى الآن، بعد تصادم القطارين رقم 571 و13 بالقرب من منطقة خورشيد بالإسكندرية. ومع تضارب الروايات في الحادث، لا بزال السبب الحقيقي غير معروف حتى الآن، رغم تشكيل عدة لجان فنية من وزارة النقل وتحويل مسؤولي محطات السكة الحديد بالإسكندرية إلى التحقيق.

وهرع أهالي قرية الشيخ بمنطقة خورشيد إلى مكان تصادم القطارين، بعد سماع دوي التصادم؛ لينقذوا ما يمكن إنقاذه من مصابين ما زالوا على قيد الحياة وتجميع أشلاء آخرين وتغطية سيدات وأطفال تمزقت ملابسهم من بشاعة الاصطدام، ونقل المصابين إلى المستشفيات على سيارات نصف نقل، وذلك بعدما تأخرت سيارات الإسعاف والحماية المدنية ما يقرب من الساعة.

وقال مصابو الحادث المستقلون قطار بورسعيد الإسكندرية رقم 571 إنهم فوجئوا بإيقاف القطار بمنطقة خورشيد قبل محطة أبيس بعشرات الأمتار، حوالي 25 دقيقة، وعندما سألوا عن السبب، قيل لهم إن القطار تعطل، إلا أن قطارًا آخر جاء من الخلف بذات الرصيف، ليصطدم به، وتحدث الفاجعة التي لم تستغرق ثوانٍ معددوة.

دفعت محافظتا الإسكندرية والبحيرة بـ 65 سيارة إسعاف لنقل المصابين إلى مستشفيات الإسكندرية، منها الأميري الجامعي وسموحة للطوارئ ورأس التين وجمال عبد الناصر ومستشفى القوات المسلحة والشرطة.

انتقل محافظ ونواب الإسكندرية ومدير الأمن إلى موقع الحادث، ولحق بهم عدد من الوزراء، على رأسهم وزير النقل ووزير الصحة والتعليم العالى ووزيرة التضامن الاجتماعي التي أعلنت على الفور عن صرف 50 ألف جنيه عن كل متوفى مقسمة من رئيس الاتحاد المصري للتأمين ورئيس شركة المجمعة التأمينية ضد حوادث سكك الحديد، حيث سيتم صرف 20 ألف جنيه من المجمعة التأمينية و30 ألفًا من صندوق إغاثة الكوارث العامة في وزارة التضامن لأسرة كل ضحية.

واجتمع نواب الإسكندرية وعلى رأسهم محمد الكوراني عضو لجنة النقل بالبرلمان، وطالبوا هشام عرفات  وزير النقل بإقالة رئيس هيئة السكك الحديدية في الحال، واستجاب الوزير لمطلبهم، وقرر إيقاف كل من مدير عام التشغيل على الشبكة لمنطقة غرب الدلتا ومدير عام تشغيل مسافات طويلة للمنطقة المركزية وملاحظ برج أبيس وملاحظ بورج خورشد لحين انتهاء التحقيقات في أسباب الحادث، كما طالب النائب وحيد قرقر، وكيل لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، بسرعة توفير الإمكانيات اللازمة لتطوير مرفق السكة الحديد، لتتحول منظومة التحكم فيها إلى تحكم إلكتروني بدلاً من التحكم البشري.

وبالنسبة لأسباب اصطدام القطارين قال قائد القطار رقم 571 القادم من بورسعيد إلى الإسكندرية، وهو من بين المصابين بمستشفى جمال عبد الناصر، إن القطار تعطل فجأة بمنطقة خورشيد، وقد أبلغ مسؤولي المتابعة بسكة حديد الإسكندرية، ولكنه فوجئ بقطار قادم خلفه، يسير بسرعة كبيرة بعد حوالي 20 دقيقة من الإبلاغ، ليصطدم به، ويخرج العربات الأخيرة والجرار من على القضبان، بينما قام عصام حلمي، قائد القطار رقم 13 القادم من القاهرة بالقفز من القطار عندما فوجئ بقطار آخر يقف على نفس الخط، وقام بتسليم نفسه إلى شرطة منتزه ثانٍ، والتي قامت بتحويله إلى النيابة لإجراء التحقيقات بها، والذي أفاد في التحقيقات أنه لم يتلقَّ أي إشارات تفيد توقفه أو إخباره بأنه يوجد أي إعاقات بذات الخط.

بينما جاءت النتائج الأولية لتحقيق اللجنة الفنية وفقًا لمصدر رفض ذكر اسمه أن القطار القادم من القاهرة تخطى إشارتين ضوءًا أحمر بسرعة، ولم يستجب لهما قبل اصطدامه بقطار بورسعيد، وأن السيمافورات والإشارات الضوئية في خط الإسكندريه تعمل، وليس بها عطل، وقطار 571 القادم من بورسعيد كان متوقفًا بدون سبب على الخط، ولم يبلغ بأن هناك عطلاً، وسائق القطار رقم 13 تجاوز السرعة والسيمافورات التي كانت تسبق القطار رقم 571، رغم أنه كان مفترضًا أن يتوقف قبل القطار الآخر المتعطل بما لا يقل عن 600 متر وفقًا للائحة التشغيل، إلا أن تجاوزه للسرعة أدى للتصادم وعدم قدرته على التوقف، مضيفًا المصدر أن استكمال اللجنة الفنية لعملها سيوضح في الساعات القليلة القادمة إن كان سائق القطار رقم 13 أغلق جهاز “ايى تي سي” المسؤول عن التحكم في مسيرة القطارات أم لا، كما أن تحليل بيانات شريط جهاز التحكم بالقطار سيكشف أسباب الحادث.

وأكد المهندس عمرو شلش، مستشار وزير النقل، أن الوزارة طالبت سابقًا بمبلغ 10 مليارات جنيه لتطوير السكك الحديدية، ولم يسمح لها إلا بـ 3 مليارات جنيه فقط، وهو ما حال دون تطوير بعض القطارات التي لا تتوافر بها شروط السلامة الفنية.

وكشف الحادث عن فقدان الخدمات بقرى خورشيد والظهير الزراعي بالإسكندرية، حيث لم تتوافر أعمدة إنارة على الطريق الزراعي الذي يمر به القطار، ودفعت المحافظة بعدد 6 محولات كهربائية لإنارة مكان الحادث لرفع العربات المهشمة وإخلاء الطريق.

وطالبت بعض الأحزب بالإسكندرية ومراكز حقوقية بإقالة وزير النقل فورًا، بصفته المسؤول الأول عن منظومة السكك الحديدية وتعيين المسؤولين بها.

وقال الدكتور حمدي عرفة، خبير الإدارة المحلية واستشاري تطوير المناطق العشوائية، إن الهيئة القومية لسكة حديد مصر من أكبر المؤسسات الاقتصادية في مصر والعالم العربي، وهي الأكبر في مجال خدمات النقل (الركاب والبضائع)، وتعتبر العمود الفقري لنقل الركاب في مصر، ولكن للأسف الشديد عدم تطبيق اللامركزية في المحليات يعوق وجود دور فعال للمحافظين في هذا الصدد، متعجبًا من إهمال هذه المنظومة العملاقة للنقل من على أجندة أولويات الحكومة، رغم أن نقل الركاب يصل إلي 500 مليون راكب سنويًّا (حوالي 1.4 مليون راكب يوميًّا)، ونقل البضائع يصل إلى 6 ملايين طن سنويًّا، وإجمالي طول الشبكة 9570 كيلومترًا.

وأضاف أن عدد العاملين فى سكك حديد مصر بلغ 82 ألف عامل، ولا بد من الاهتمام بأجورهم وتدريبهم، حيث إن الحد الأدنى للأجور (١٢٠٠ جنيه) لم يطبق عليهم، وتدريبهم لا يتم بالمستوى المطلوب وتأميناتهم الصحية والترفيهية هزيلة، فلا بد من الاهتمام بهم؛ لأنهم القائمون على إدارة المزلقانات في 27 محافظة، وهذه مسؤولية وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ووزارة التخطيط.

وأشار عرفة إلى أن عدد المزلقانات القانونية على خطوط السكك الحديدية يقدر بـ1332 مزلقانًا من إجمالي ٤٥٠٠ مزلقان، وذلك على أكثر من 6 آلاف كيلو متر خطوط سكك حديدية من أقصى الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، مطالبًا وزاره النقل بسرعة وضع وتنفيذ خطة تطوير المزلقانات؛ لأن هناك كمًّا هائلاً من المزلقانات غير الشرعية يتغير بشكل يومي.

وأكد أن مشكلة المزلقانات تقع على كاهل الـ ٢٧ محافظًا طبقًا لقانون الإدارة المحلية رقم ٤٣ لعام ٧٩ وتعديلاته، ولكن الأغلبية العظمى من المحافظين “محلك سر”، ولا دور لهم في هذا الملف، والعديد منهم لم يفهم ملفات المحليات المتعلقة بسكك حديد مصر حتى الآن.

وطالب عرفة بأهمية تطبيق اللامركزية ومنح الإدارات المحلية سلطة كاملة علي المزلقانات وتطويرها، وهذا لن يتم إلا بتعديل قانون الإدارة المحلية الحالي الذي وصل العمل به إلى أكثر من ٣٧ عامًا بدون تعديل.

ومن جانبه طالب معتز الشناوي، أمين لجنة الإعلام المركزي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، بإقالة وزير النقل، الدكتور هشام عرفات، ومحاسبته على الأموال التي خُصصت لتطوير السكك الحديدية، مضيفًا “كان نتاجها عشرات الوفيات ومئات المصابين من ركاب قطارات الهيئة”.

وشدد الشناوي على أن مسؤولية الوزير عن انهيار كوبري سوهاج، إبان عمله بالقطاع الخاص، لا تقل عن مسؤوليته عن حادث قطار خورشيد الكارثي بالإسكندرية، خاصة في ظل حالة التردي الشديدة التى تتعرض لها قطاعات الوزارة المختلفة، لكن الوزير مشغول بأمور أخرى، كتعيبن أصدقائه المقربين مستشارين له، وتثبيت بعضهم في العديد من الأماكن الحساسة بالوزارة، الأمر الذي سيؤدي لمزيد من الانهيارات التي لن تقضي على المواطنين وحدهم، بل تهدد مصلحة الوطن وأمنه.

بينما يرى الدكتور عبد الله الناصر حلمي، رئيس الاتحاد العربي للتنمية الشاملة، أن الفساد والإهمال يحصدان أرواح المصريين بشكل مستمر، مؤكدًا أن الإهمال لا يقل خطورة عن الإرهاب الذى تواجهه مصر.

مطالبًا بإقالة الحكومة ومحاسبتها على كارثة تصادم القطارين، وفتح تحقيقات سريعة تعلن نتائجها على الشعب المصري لكشف المسؤولين عن الجريمة وإهدار أرواح المصريين، ليكونوا عبرة لغيرهم، وإرساء مبدأ المحاسبة والعقاب منعًا لتكرار هذه الحوادث.

المصدر البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق