ما بعد داعش.. كابوس إسرائيل في سوريا وفقد واشنطن للمبادرة

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يعكس تعاطي الولايات المتحدة مع الأزمة السورية منذ دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، وربما قبل ذلك بقليل، مدى تخبط السياسة الخارجية لـ”أقوى دولة في العالم”؛ ليس فقط على مستوى دبلوماسي وتفاوضي ولكن على مستوى فقد المبادرة والمبادأة فيما يخص أزمة عالمية معقدة ومتشابكة مثل الأزمة السورية، وذهاب المبادرة والمبادأة على كافة المستويات، من الميدان إلى طاولة المفاوضات، بعيداً عن واشنطن. هذا الأمر لم يقتصر فقط على ميل مجريات الصراع في سوريا في العاميين الماضيين لصالح خصوم واشنطن وخصوم حلفاءها على مستوى الميدان وانعكاس ذلك على مائدة التفاوض، ولكن أيضاً على مستوى مرحلة ما بعد داعش، وتغيرات جغرافية وإستراتيجية مداها البعيد يؤسس لواقع تفقد فيه واشنطن وحلفائها إمكانية استعادة المبادرة فيما يخص تماس الصراعات في المنطقة، على الرغم من كل المؤشرات التي تقول في ظاهرها أن ما شرعت فيه إدارة ترامب فيما يخص المنطقة وكيفية تقاسم الأدوار بينها وبين حلفائها وإعادة تقييم وتنظيم علاقتها بهؤلاء الحلفاء وفق أولويات مشتركة وإدارة غير مباشرة توفر على الولايات المتحدة عبء التدخل المباشر وارتكان حلفائها للمظلة العسكري والسياسية التقليدية التي مدتها واشنطن في المنطقة في العقود الثلاثة الماضية، والتي حاولوا تعويض انكماشها في السنوات الأخيرة بتوطيد تحالف غير مسبوق بين دول عربية وإسرائيل، ولكن هذا لم يكن كافياً!

معضلة فراغ ما بعد داعش!

وتشكل “المعضلة” الأميركية التي تتجلى بشكلها الأوضح في سوريا، في أن هزيمة داعش لا تتم فقط على أيدي خصوم واشنطن، وترجمة هذا الانتصار على كيان الإرهابي على مستويات سياسية وعسكرية وإستراتيجية لا تقف فقط عند دحره، ولكن كون أن المناطق التي يُهزم بها التنظيم وأخواته يسيطر عليها هؤلاء الخصوم، وهو الأمر الذي يراه الدبلوماسي الأميركي المخضرم والمبعوث الأميركي الأسبق في الشرق الأوسط والمساعد الخاص لشئون المنطقة لأوباما، دينيس روس، بأنه “فراغ نتج عن المفارقة التي نتجت عن إرادة ترامب هزيمة تنظيم داعش وضمان عدم ظهوره مرة أخرى، فيجب ألا يكون هناك فراغ بعد هزيمة التنظيم في الرقة وبقية المناطق الواقعة تحت سيطرتها في سوريا. وفي الوقت الراهن، يتوقع الإيرانيون مثل هذا الفراغ ويتموضعون لملئه (..) تحتاج الإدارة الأميركية إلى التركيز على منع حصول هذا الفراغ من خلال ضمان عدم استمرار إيران والميليشيات الشيعية في توسيع وجودهم في سوريا. يجب على الرئيس ترامب أن ينقل إلى بوتين أن التعاون في سوريا يعتمد على عدم توسيع نظام الأسد والميليشيات الشيعية وجودهم ونطاق سيطرتهم. وأننا سنعاقب على انتهاكات اتفاقيات وقف إطلاق النار إذا لم يفعل الروس ذلك، وفي حين أننا لن نسعى إلى دحر النظام والميليشيات الشيعية، فإننا لن نتساهل مع وجودها وسيطرتها على مناطق أخرى في سوريا”.

 

الاتفاق الأميركي ــ الروسي هو “فشل استراتيجي كبير جداً”.. هكذا كان تعليق معظم ذوي الشأن من المسئولين والسياسيين والخبراء الأمنيين والعسكريين في إسرائيل خلال الشهور القليلة الماضية. على رأس هؤلاء كان رئيس وزراء حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الذي أوجز في اجتماع مجلس الوزراء المصغر الأسبوع الماضي مخاوف دولة الاحتلال من واقع ميداني في طريقه للتبلور لواقع استراتيجي طويل المدى مفاده “داعش تخرج وإيران تدخل”، في إشارة إلى أن المحاور الاستراتيجية والمدن والمناطق الحدودية التي يهزم بها التنظيم الإرهابي وأخواته على يد محور المقاومة، تخرجها من سيطرة “الحزام الأمني” التي شكلته هذه التنظيمات على مدار السنوات الماضية، والتي بدأت تل أبيب التعاطي معها على أنها واقع مستقبلي أساسه تكوين هذه التنظيمات لما يشبه جبهة دفاع أولية عن الكيان الصهيوني، تجلت بصورتها الصارخة في المناطق الغربية والجنوبية وعلى تخوم هضبة الجولان المحتلة، حيث تعاون وثيق وعضوي بين هذه التنظيمات وبين جيش الاحتلال، بما في ذلك الإمداد اللوجيستي والدعم المعيشي والصحي وعلاج مصابي الجماعات الإرهابية في مستشفيات إسرائيل، وصولاً إلى تنسيق أمني واستخباراتي جرت مفاعيله أكثر من مرة على مدار سنوات الأزمة في سوريا.

جغرافيا المقاومة

نتنياهو في معرض حديثه ركز على التطور الأهم في نفس السياق، وهو أن الأمر لا يقف فقط عند استعادة الأرضي المحاذية لفلسطين المحتلة من قِبل الجيش السوري وحلفائه، ولكن التمركز العسكري لمحور المقاومة بشكل استراتيجي في سوريا، غيته وبوصلته إسرائيل، وهو وما يؤسس لواقع تصبح فيه مقدرات المقاومة العسكرية واللوجيستية مضاعفة على نحو غير مسبوق؛ فبعد أن كان الأمر يقتصر على محدودية نقل السلاح والمعدات عبر سوريا إلى لبنان، والعكس منذ أواخر 2012، صار الأن محور جغرافي استراتيجي يربط طهران ببيروت الأراضي العراقية والسورية. هذه المتغيرات الاستراتيجية بشكل عام يمكن تلخيصها في واقع جيوستراتيجي جديد ولوجيستي مفاده أن الطريق من طهران لبيروت مروراً ببغداد ودمشق صار معبداً أمام إيران وحلفائها وحركات المقاومة المختلفة، التي تجعل حزب الله بعبارة وردت في التقرير السنوي الخاص بالفرص والتهديدات قبل عامين “قوة في حجم دولة تهدد إسرائيل بشكل وجودي تخطى المعالجة الأمنية والعسكرية وإمكانية الردع المتبادل”، وبالتالي فإن هذا الأمر على مقياس أعم يشكل كابوساً لدى صانعي ومتخذي ومقدري القرارات في الكيان الصهيوني.

هذا الأمر لا يشكل قلقاً لدى إسرائيل فقط، وإن كانت تختص بقدر أكبر من حيث البُعد الوجودي وحدية الصراع بينها وبين محور المقاومة، ولكن أيضاً يشكل قلق للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة بمقاييس مختلفة من حيث المصالح والفرص والمخاطر، وتولد عن هذا القلق في الشهور الأخيرة سلسلة من الإجراءات بين التحدي والاستجابة للحيلولة من تحقق واقع جيوستراتيجي جديد يصل بين طهران وبيروت، أي أن لا يكون هناك عائق في شكل دولة أو نظام أو جماعة أو كيان يعطل أن تكون الجغرافيا الواصلة بين العاصمتين خالصة لمحور المقاومة، وانعكاسات ذلك على مستوى لوجيستي يضاعف المخاطر التقليدية على إسرائيل لأمديه غير مسبوقة، ويضعف أيضاً من موقف واشنطن على مقياس إقليمي في تحقيق مصالحها بالشكل الأمثل، فيما يحد من مساعي الرياض وأبوظبي في التصدي للنفوذ الإقليمي لطهران، بل ويعقد كافة خطواتهم لتحجيم هذا النفوذ سواء بشكل منفرد أو تحت مظلة واشنطن، أو بالتحالف مع إسرائيل.

 

 

إنقاذ في الوقت الضائع؟

هنا يرى محللون ومختصون إسرائيليون أن قدرة تل أبيب لتحجيم هذا الواقع الجديد غير كافية، حتى وإن شاركها في القلق والاهتمام والجهود الرامية لتحجيم التوسع الاستراتيجي لمحور المقاومة دول عربية مؤثرة مثل السعودية والإمارات، فينقل موقع “ذي ماركر”الإسرائيلي تصريحات من وصفه بـ”مسئول استخباراتي رفيع المستوى” أن نتنياهو يعي أن تل أبيب منفردة بدون واشنطن لا تستطيع تغير هذا الواقع الجديد.. “في الواقع أن الأمر مرتبط في أكثر من مستوى بإرادة وتفاعل موسكو وواشنطن فيما يخص سوريا. وبالنسبة لإسرائيل تستطيع فقط وبكفاءة حماية حدودها ومنع تهريب الأسلحة من سوريا إلى لبنان أو غزة، أما مجريات الواقع في سوريا والعراق وتفاعل موسكو وطهران معه فإنه يحتاج إلى فعل جدي وحاسم من قبل واشنطن بمشاركة إسرائيلية وفق أولويات ومصالح مشتركة ستجهض إن لم يتم فعل شيء في القريب العاجل بخصوص التمركز العسكري لإيران وإتباعها في سوريا”.

ويبدو أن تصريحات المصدر الاستخباراتي الإسرائيلي تصادق ما يجري مؤخراً من جولات مكوكية من وفود أمنية وعسكرية واستخباراتية برئاسة مدير الاستخبارات الإسرائيلي “موساد”، يوسي كوهين، الذي ترأس وفد إلى واشنطن ضم عدد من مسئولي الأمن والاستخبارات والمستشارين العسكريين لبحث تطورات هذه الأزمة “الوجودية” المستحدثة في سوريا، مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولكن يبقى السؤال الحاسم المتعلق بمدى فاعلية ومركزية الدور الأميركي فيما يتعلق بسوريا، والمبادرة الميدانية والسياسية التي انتقلت لأطراف أخرى غير واشنطن قد تجعل الأخيرة بالنسبة لما تريده تل أبيب ليس أكثر من داعم وناصح وليس جهة تخوض معارك وتنفذ رؤى حلفائها عوضاً عنهم، وهو الأمر الذي شرع ترامب في تطبيقه في مختلف الأصعدة والملفات منذ دخوله البيت الأبيض بما يليق بـ”رجل أعمال” لا يعطي دون مقابل وهو في الحالة الإسرائيلية قد يعدل من جموده الذي بدا في الحالة الخليجية حيال هذا المبدأ، ولكن هذا أيضاً يتوقف عن قدرة الفعل الأميركي ومداه وأمان عواقبها لتغيير هكذا واقع في سوريا والعراق مال لصالح خصومها وخصوم حلفائها.

المصدر البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق