الحج.. عند على شريعتى

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

حج مرة واحدة واعتمر ثلاث مرات، عاش أجواء الحج بعقل وقلب الفيلسوف المتأمل فكتب كتابه «الحج الفريضة الخامسة»، وأوضح فى المقدمة أنه ليس كتاباً للحلال والحرام أو ما ينبغى للحاج أن يعمله أو يتركه، ولكنه دفقات من التأمل فى الحج، فالرجل يرى أن الإسلام الأول كان أجمل رسالة ودعوة ولكنه أصبح فى سير أتباعه التغييرى نحو الأخطاء ليصبح أبشع رسالة فى نظر الآخرين.

يرى «على شريعتى المفكر الإيرانى المرموق» أن شعائر الحج هى أشبه باستعراض مسرحى لعدة أشياء فى وقت واحد، فهى تعرض لقصة الخلق والتاريخ، وللوحدة بين المسلمين، ولعقيدة الإسلام.

أما أركان العرض فهى: الله المدبر الذى يوجه الحركات، والموضوع الذى يصور: حركة الأشخاص المشاركين فى العرض، وشخصيات العرض: آدم وإبراهيم وهاجر والشيطان. مشاهد العرض: المسجد الحرام، منطقة الحرم، المسعى، عرفات المشعر الحرام، منى.

رموز العرض: الكعبة، الصفا والمروة، النهار والليل، الشروق والغروب، الأصنام، وشعائر الأضحية، الملابس والمكياج: الإحرام والحلق، التقصير.

أما الذى سيؤدى جميع الأدوار فهو «أنت» سواء كنت رجلاً أو امرأة، شاباً أو شيخاً، أبيض أو أسود فأنت ستؤدى دور آدم وإبراهيم وهاجر وهم يواجهون الاختيار بين الله والشيطان، ستقوم بنفس الدور وتقف نفس الموقف.

جميع المسلمين مدعوون للمشاركة فى هذا العرض الجليل كل عام، كلهم سواسية كأسنان المشط، لا فرق ولا تمايز بينهم.

هكذا يعبر«شريعتى» ثم يردف «الكل يساوى الفرد والفرد يساوى الكل فى هذا العرض»، مستشهداً بقوله تعالى «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا».

يعتبر شريعتى أن الحج جاء ليغير روتين الحياة ورتابتها التى يتعودها الإنسان، الحج مضاد لحياة اللامعنى واللاهدف، أداء الحج خلاص من شباك الحيرة المعقدة.

الإنسان خليفة الله فى أرضه، بث فيه من روحه ولكنه مع مضى الوقت فى الحياة تعترى شخصيته التغير وتصيب فطرته الآفات وينحدر إلى درك الحمأ المسنون الذى كان فيه قبل أن ينفخ الله فيه من روحه.

«أين هى روح الله فى الإنسان اليوم؟ انهض أيها الإنسان من أوضاعك المزرية، اخرج من أرضك، واذهب إلى الأرض المقدسة لتلقى الله تحت أديم السماء العامرة بالإلهام والمفعمة ببركات الوحى، سماء المشعر الحرام تهزم الغربة التى تعانيها، وأخيراً ستجد نفسك هناك، عند ربك، لتعود إليك نفثات الإيمان وروح الله من جديد» هكذا يقول شريعتى.

هنا يبدأ العرض، وفيه يجب على الإنسان أن يبدل ملابسه، لماذا؟ لأن ثياب الإنسان تكسوه من الخارج مادياً كما تكسوه الشخصية من الخارج معنوياً، فملابسنا هى التى تعبر عن أنماط حياتنا وتميزنا وتحدد طبقتنا ووجهة تفكيرنا وهى التى تقيم الحدود والفواصل بين الناس وتفرق بينهم فى معظم الأحوال وهى التى تجعل مفهوم «الأنا» يقتحم وليس مفهوم الـ«نحن» وهى التى تدشن سياقات «عنصرى وطبقتى الاجتماعية، عشيرتى، مكانتى، أسرتى، مقدرتى».

اخلع ثيابك الآن عند الميقات وارتد الكفن المؤلف من قماش أبيض، أصبحت ثيابك مثل ثياب الجميع وأصبحوا فى زى واحد، اخلع عنك كل قناع كنت ترتديه فى حياتك: قناع الذئب رمز الطغيان، قناع الفأر رمز المكر، قناع الثعلب رمز الخديعة، قناع الخروف رمز الخنوع.

لقد صنعت سلالة قابيل من القتلة والقساة حواجز كثيفة فى حياتنا ومزقتنا تمزيقاً.

قوافل الحجيج تلتقى فى الميقات فى ذات المكان والزمان معاً فى الطريق إلى الله حيث لا يكون الإنسان كما هو، ولكن كما ينبغى أن يكون «وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ»، يا للروعة كل شىء، يتحرك من طور إلى طور، الحياة والموت، الموت والحياة، التناقض.

الحج حركة يقرر الإنسان فيها العودة إلى الله ويدفن كل أنانيته وحبه لذاته فى أرض الميقات ويشهد موته بنفسه، فالمشهد أشبه ما يكون بيوم الحساب، طوفان من بشر باللون الأبيض، كلهم يرتدون الكفن، ولا أحد يمكن التعرف عليه، تركت الأجساد فى أرض الميقات والروح وحدها هى التى تندفع هنا.

استعراض بشرى رائع خاضع لله، يحمل فى قلبه الخوف والرجاء والرغبة والرهبة والدهشة والإقبال، تقشعر الجلود وتلين لذكر الله.

فى هذه الأرض الجرداء تنصهر الأمم والعشائر فى قبيلة واحدة ووفد واحد، يتوجهون لقبلة واحدة.

الآن بعد أن نزعت ثيابك وكل شارة تميزك عليك أن تنسى كل شىء يذكرك بحياتك، كل منا يفنى ذاته، الأنانية والخصاصة تدفن وتنصهر المجموعات فى الأمة، كل «الأنا» يموت فى أرض الميعاد وتنشأ فى القلوب «نحن»، هكذا الحج عند الفيلسوف الإيرانى على شريعتى.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق