البهجة اليوم مجاناً

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أتمنى على المحافظات الساحلية أن تجعل دخول الشواطئ اليوم مجاناً، أتمنى على المتنزهات والحدائق العامة أيضاً، على حدائق الحيوان، على الملاهى، على المواصلات العامة، على رسوم الطرق السريعة، أيضاً أتمنى تخفيض تذاكر دخول دور السينما، تذاكر دخول المسارح، المراكب النيلية، وسائل الترفيه والتنزه بمختلف أنواعها، فى العاصمة كما فى المحافظات، أتمنى على دور وأندية القوات المسلحة بصفة خاصة أن تفتح أبوابها للمواطنين، أندية الشرطة أيضاً، وما أكثر هذه وتلك، أتمنى على وزارة الثقافة أن تساهم فى ذلك من خلال قصور الثقافة وما تبقى لديها من فعاليات ترفيهية، أتمنى على وزارة الآثار أن تفعل ذلك فيما يتعلق بكل المواقع الأثرية.

أتمنى تقديم البهجة اليوم للمواطن مجاناً قدر الإمكان، ذلك أن هذا العيد تحديداً يأتى فى أعقاب صراع مرير مع الحياة، مع الأسعار، مع الضنك، مع الفقر، مع الجوع، مع التوتر، مع المشاكل الأُسرية، مع رفع الدعم، مع تعويم الجنيه، سوف يعقبه أيضاً صراع أشد مرارة مع العام الدراسى الجديد بكل ما يحمل من مآس مادية، مع الرسوم المدرسية التى ارتفعت بشكل جنونى، مع دروس خصوصية أصبحت تلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسرة، مع حالة من القلق اليومى تمتد حتى تسعة شهور.

ربما كان اليوم الجمعة، العاشر من شهر ذى الحجة، الأول من سبتمبر، هو اليوم الوحيد الذى سوف يلتقط فيه المواطن أنفاسه، قد يكون دبَّر أمره فى الحصول على ما يريد من مواد غذائية، وقد يكون فشل فى ذلك، قد يكون استطاع تدبير أمر العيدية لأبنائه، وقد يكون فشل فى ذلك أيضاً، قد يكون استطاع تدبير ما هو جديد من لبس العيد، وفى الأغلب الأعم لم يستطع، على الأقل يمكن تسهيل أمر الاستمتاع بذلك اليوم، وذلك بتسهيل عملية الخروج من المنزل إلى الفضاء الخارجى، قد يتبادل المواطن الابتسامة مع الآخرين، وقد يتبادل التزاور مع الأقارب، وقد يرى أن الدنيا مازالت بخير، وقد يرى أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.

الفرحة المجانية اليوم ليست منحة أو منَّة، هى حق للمواطن، لا يجب أبداً التردد فى منحه إياها، القرارات يجب أن تكون معلنة وواضحة، يجب فتح كل الأبواب المغلقة أمامه، ليصعد برج القاهرة، ويدخل المعابد الفرعونية، ويزور قلعة محمد على، قد يذهب إلى الإسكندرية، قد يزور بورسعيد، قد يقضى يومه فى جمصة، المهم أن يشعر بأن هناك اهتماماً به فى ذلك اليوم، أن يرى أنه بالفعل يوم مختلف، لا يجب على المطاعم أن تستغله، ولا على الكافيهات أن تبتزه، ولا على التجار أن يخدعوه.

كنت أتمنى أن يبادر كل وزير بأن يقدم ما يستطيع فى حدود صلاحياته، وأن يبادر كل محافظ بأن يفعل الشىء نفسه فى حدود اختصاصاته، بما يشير إلى أن المسؤولين يدركون حجم المصاعب التى يعيشها المواطن، هى مسؤوليتهم بالدرجة الأولى، لا يجب أبداً أن يكون يوم العيد فرصة أمام هؤلاء وأولئك لتحقيق مكاسب مادية من جيوب المواطنين، العكس هو الصحيح، راحة المواطن يجب أن تكون الشغل الشاغل لكل مسؤول، يجب أن يكون ذلك على مدار العام، ما بالنا بيوم الفرحة أو يوم البهجة.

إذا كانت الدولة قد فشلت فى تحقيق السعادة للمواطن طوال الوقت، هى إذن اليوم مناسبة جيدة وطبيعية لتحقيقها، كان يمكن الإعلان عن أسعار مختلفة للسلع الاستهلاكية، أسعار مختلفة للوقود، أسعار مختلفة للحوم، أسعار مختلفة لكل شىء، كان يمكن المنافسة بين الوزارات فيما يتعلق بتسهيلات هنا وهناك، كان يجب رفع شعار البهجة والفرح فى المحال الكبرى من خلال تخفيضات حقيقية، وليست للشهرة أو للاستغلال، كان يجب أن تبدأ الدولة الرسمية بنفسها حتى يمكن إقناع القطاع الخاص بالسير على النهج نفسه.

تعبير المجانية قد يكون اختفى من حياتنا تماماً فى ظل سياسات الانفتاح وسيادة رأس المال، اختفت مجانية التعليم، كما مجانية العلاج، كما مجانية الحصول على الوثائق الرسمية، إلا أن مجانية الماء والهواء لا يجب أن تصبح من الماضى هى الأخرى، مجانية الكلمة الطيبة وإفشاء السلام لا يجب أن تصبح فى خبر كان، مجانية الابتسامة والمصافحة والتزاور لا يجب أن نعتبرها عادة قديمة عفا عليها الزمن، كل ذلك لن يتحقق دون مساعدة من السلطة الرسمية، حياة التقشف والفوبيا وادعاء الفقر لم تُنتج إلا الأمراض الاجتماعية والنفسية فى الوقت نفسه.

بالفعل، هى فرصة كبيرة اليوم لتدارك ما نحن فيه من أزمات عديدة، قد تكون البداية الحقيقية نحو صياغة جديدة للشخصية المصرية، أو بمعنى أدق عودة الشخصية المصرية التى اندثرت بفعل صعوبات الحياة، لن ننسى أن نشير إلى عشرات الآلاف بالسجون لا يأملون فى أكثر من تسهيل زيارات ذويهم، إلى أن تنقشع الغُمة، لن ننسى أن نشير إلى عشرات الآلاف بالمستشفيات لا يأملون فى أكثر من السؤال عنهم، لن ننسى أن هناك دوراً للمسنين تضم آباء وأمهات عظماء فى حاجة إلى من يتواصل معهم، لن ننسى أن نشير إلى أن هناك دوراً للأيتام تضم آلافاً من الأطفال فى حاجة إلى من يحنو عليهم.

كنت أتمنى أن يكون ذلك هو موضوع خطبة العيد وخطبة الجمعة معاً، بدلاً من ذلك الإسفاف المعتاد، وكل عام وأنتم بخير.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق