مصطفى النحاس مين؟

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كنا فى ستينيات القرن الماضى طلابا فى آداب القاهرة عندما سمعت من الشاعر زين العابدين فؤاد قصة عن زميلة لنا ذهبت لاستطلاع آراء سكان حى جاردن سيتى حول قضية من القضايا. دخلت الزميلة إحدى الفيلات بعد أن شرحت للخدم مهمتها البحثية فأبلغوا سيد الدار الذى وافق على استقبالها.

سألت سيد الدار عن اسمه. قال لها اسمه. سألته عن وظيفته. قال لها إنه متقاعد. سألته عن آخر وظيفة تولاها. قال لها: رئيس وزراء مصر. أصيبت زميلتنا بالهلع عندما وجدت نفسها أمام رئيس وزارة وإن كان متقاعدا. حملت أوراقها وانصرفت من دون حتى أن تستأذن الرجل. وفى الكلية سألت زملاءها عن ذلك الرجل: قال لى إن اسمه مصطفى النحاس. مصطفى النحاس مين؟

وفى زمننا هذا، فى ذكرى وفاته الخمسين، تقول «المصرى اليوم» (23 أغسطس) إن النحاس «ساهم» فى إنشاء جامعة الدول العربية. وأنا أقول إنه «أنشأها» عندما وافق على طلب بذلك تقدم به إليه رجال الملك عبدالعزيز، وعلى رأسهم شكيب أرسلان، وفى ذيلهم حسن البنا، بطلب («الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ» لمحمود عبدالحليم 1994). إذن، نحن مازلنا لا نقدر النحاس حق قدره. فلم كل هذا؟

تضعضعت زعامة مصطفى النحاس عبر خمس محطات، تندرج أربع منها فى سياق كونى «ساعد» على توظيف المحطات الخمس- فى حدود ما أفهمه- للمضى بمصر نحو إلغاء الملكية، وإلغاء التعددية الحزبية، ووضع الجيش على قمة السلطة، وتأسيس حكم دينى «قد يكون» قريبا من ولاية الفقيه، وهذا الهدف الأخير عطله الجيش فى 1952 ثم فى 2013.

المحطة الأولى كانت توقيع اتفاقية 1936 بين مصر وبريطانيا، وقال لنا أستاذنا محمد أنيس إن شعبية الوفد بدأت بالتراجع، لصالح الإخوان، بعد تلك الاتفاقية. وسبب ذلك، برأيى (وأنا صحفى ولست أكاديميا) هو «الوطنية العمياء» التى انتشرت لأسباب يطول شرحها، وأخطر مظاهرها هو اعتبار التفاوض مع المحتلين قبل الجلاء خيانة تستوجب القتل.

المحطة الثانية هى قبول النحاس تشكيل وزارة «فى ظل الحراب البريطانية» فى فبراير 1942، ثم قيام علاقة ودية بين الوفد والبريطانيين لمدة عامين بعد ذلك. وفى كتاب هيكل «سقوط نظام» (2003) وكتاب آرتميس كوبر «القاهرة فى الحرب العالمية الثانية» (الطبعة الثانية 2015) وفى ورقة بعنوان «Business As Usual» نشرتها دورية «الأمن الدولى والاستخبارات» (2015) يقول الخبراء إن الدور الأمريكى فى مصر تصاعد ابتداء من 1942. لكنى أراه قويا ومستترا منذ أسس الأمريكيون رئاسة الأركان المصرية فى عهد إسماعيل باشا، ثم أراه يقترب من الظهور مع رسالة سعد باشا للرئيس ويلسون نهاية 1918 واتصالات أحمد شفيق كامل باشا بالأمريكيين بعد ذلك، ويجب أن نبحث عن تأثير اتصالاته بهم على تابعه المخلص سيد قطب!

المحطة الثالثة هى صعود كبار الملاك الزراعيين، خصوصا سراج الدين باشا، إلى قمة الوفد، بعد أن كان حزب الطبقة المتوسطة، خاصة بعد 1946 التى تعد سنة فاصلة فى التحضير لقيام الجمهورية.

المحطة الرابعة هى إلغاء معاهدة 1936، وفق اقتراح سراج الدين. وإلغاء الاتفاقية كان إعلان هزيمة الوطنية البصيرة التى جسدها زغلول والنحاس، وانتصار «الوطنية العمياء»، المتعجلة، قصيرة النفس، الخطابية.

المحطة الخامسة هى حريق القاهرة. ولا أتهم سراج الدين بتدبير الحريق كما يقول كثيرون، منهم آرتميس كوبر، بل أميل لاتهام الأمريكيين. وإن كنت، مع احترامى لوطنية سراج الدين، أعتبره مسؤولا عن مذبحة البوليس المصرى التى ساعدت المخربين على تدبير الحريق. فإصداره الأمر للبوليس المصرى بالاشتباك مع الجيش البريطانى يندرج ضمن «الوطنية العمياء».

وبالنهاية، فكما تضعضع الوفد، تضعضعت الملكية، بتصرفات الأسرة المالكة وبانحسار النفوذ الأوروبى صانعها ونصيرها التاريخى، وتضعضعت قوة بريطانيا مع نهاية الحرب وبداية المرحلة الحاسمة من الصعود الأمريكى. وهكذا قامت الجمهورية فى مناخ أمريكى صرف. ولكن، لو أن جمال عبدالناصر- كما قال لى المناضل الشيوعى الراحل مصطفى عبدالعزيز- عين نفسه سكرتيرا عاما للوفد، بدلا من إلغاء الأحزاب، لما انتصرت «الوطنية العمياء»، ولكننا وجدنا اليوم فى شوارعنا تمثالين أحدهما للنحاس والآخر لناصر.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق