جدران العزل.. و كعب أخيل

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

(1)
بدأت الإدارة الأمريكية خطوات جادة نحو تنفيذ الجدار الحدودى مع المكسيك، وهو أهم وعود ترامب الانتخابية، الرئيس الأمريكى يرى أن جارته تصدر المشاكل إلى بلاده، فى صورة مهاجرين غير شرعيين وجريمة منظمة، التقديرات الأولية لتكلفة بناء هذا الجدار تصل إلى 10 بلايين دولار، ولقد اختارت الحكومة الأمريكية أربع شركات لبناء نماذج أولية للجدار لتفاضل بينها. ترامب يريد من المكسيك أن تتحمل تكلفة بناء الجدار، وهو ما رفضته تماما، لكن رئيس أقوى دولة فى العالم لديه الكثير من أوراق الضغط الذى لوح بها مؤخرا فى وجه المكسيك ومع الكونجرس أيضا.
(2)
الحرب العالمية الثانية أحدثت دمارا وأضرار مادية كبيرة فى أوروبا، لكن الإضرار بالشعوب كان الأفدح، تم تقسيم أوروبا بين المعسكر الشرقى والغربى دون احترام لمشاعر ورغبات الشعوب، وكان سور برلين هو الصرح الذى تجمعت فيه كل الآثار السلبية للحرب الباردة ، تم تقسيم ألمانيا إلى بلدين، بين ليلة وضحاها استيقظ المواطن الألمانى على تغيرات جذرية فى حياته، صديق الطفولة أصبح مواطنا فى دولة أخرى، وكذلك باقى أفراد أسرته. سور برلين عكس الألم والانكساروخيبة الأمل، وكان من الطبيعى أن يأتى يوم ويسقط سور الهزيمة، وحين حدث ذلك فى عام 1989 بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، توحدت ألمانيا من جديد وأصبحت أقوى اقتصاد فى أوروبا.
(3)
اليوم بعد أكثر من ربع قرن على هدم سور برلين، يشهد العالم تشييد جدران وحواجز أخرى أقيمت لأسباب مختلفة، بعضها بسبب الخلافات بين دول الجوار مثل حالة قبرص اليونانية والتركية، والهند وباكستان وبنجلاديش وغيرها، ولكن هناك أسوار عازلة ليس هدفها الحماية من اعتداء الجار، لكن عزل الجار ومنعه من الانتقال إليه، لأن مستوى المعيشة بين الجيران متفاوت بشدة، مثل سياج "مليلة" الحدودى بين أسبانيا والمغرب، الذى أقيم لمنع الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا،.كما أن هناك جدرانا تقام فى البلد الواحد، مثل أسوار "الكمبوندات"، الذى يمنع الدخلاء من التسلل إلى المجمع السكنى، وكما يحدث من حكومتنا التى تقيم جدرانا عاليا من الأسمنت المسلح حول العاصمة الإدارية الجديدة وكأنها تريد عزل نفسها لتعيش حياة الدعة وخلو البال والأمان بعيدا عن الشعب ومشاكله وضعف الخدمات المقدمة له فى باقى أنحاء البلاد.
(4)
إسرائيل أقامت العديد من الجدران العازلة، فى الجنوب وبينها وبين الضفة الغربية، الهدف المعلن حماية أمن الإسرائيليين لكن الواقع يقول إن الجدار الفاصل بينها وبين الضفة جدارعنصرى بكل معنى الكلمة، هدفه منع سكان الضفة من التجول بحرية فى إسرائيل بلدهم الأصلي، مثلما كان يحدث مع السود وسياسة الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا، كان من الطبيعى أن يعبر نتنياهو عن تضامنه مع الرئيس الأمريكى فى بناء جدار على حدود المكسيك، غرد بذلك على حسابه على التويتر وأضاف: بنيت جدارا على امتداد الحدود الجنوبية لإسرائيل، وتسبب ذلك في وقف موجات الهجرة غير الشرعية، وأعرب عن أمنياته بنجاح مشروع ترامب.
(5)
بعد أن قرأت تغريدة نتنياهو، تذكرت فيلم الحرب العالمية زد World War Z إنتاج 2013 بطولة النجم براد بيت الذى يلعب دور باحث، وأحداثه تدور حول تفشى وباء غامض يحول البشر إلى مسوخ من الزومبى، تنتقل العدوى حين يهاجم الزومبى شخص غير مريض ويعضه، دول العالم كلها أصيبت بالوباء، إلا إسرائيل، ولذا سافر إليها براد بيت ليقف على السر، وعرف أن السبب هو الجدار الذى شيدوه حول دولتهم وعزلهم عن العالم الموبوء، وفى غمرة نشوة إسرائيل بهذا الانتصار، كان السكان يقيمون احتفالات صاخبة، الضجيج يجذب الزومبى، تسلقوا الجدران، لم تمنعهم طلقات الرصاص التى أطلقها أفراد أمن مراقبة السور، ثم قوات الجيش والشرطة التى تدافعت لصد الهجوم، بل نجحت أعداد ضخمة من الزومبى فى الوصول إلى قلب إسرائيل، وتفشى المرض بسرعة مضاعفة نتيجة العزلة التى فرضتها الدولة، إنها نفس فكرة حصان طروادة، يأتيك الموت والدمار فى عقر دارك.
(6)
الدول التى تريد أن تبنى جدران عزل بينها وبين جيرانها الأقل منها تقدما وثراء، لا تفكر بمنطق أو إنسانية فى معاناة هؤلاء الجيران، وكيف يمكنها أن ترفع عنهم المعاناة بدلا من توقيفهم على أبوابها، أمريكا وأوروبا وإسرائيل وغيرها، دول صدعتنا بقيم الديمقراطية واحترام الحريات وحقوق الإنسان وعدم التمييز، لكن هم أنفسهم الذين يصدون الذين صدقوا أكاذيبهم المضللة. ما تنفقه أمريكا والدول المتقدمة والغنية على التسليح وفرض الهيمنة باختلاق النزاعات المسلحة هنا وهناك، يكفى لتحسين أحوال فقراء العالم وإيقاف الهجرة إلى الشمال، تعاون أجهزة استخبارات الدول الكبرى والغنية مع الميليشيات الإرهابية المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة والأنظمة الاستبدادية الفاسدة، من أسباب عدم استقرار الدول الفقيرة والنامية، وهو ما ينعكس على عدم قدرة هذه الدول على تحسين أحوال شعوبها ويؤدى إلى الهجرة، التى تأتى غالبا للهروب من بؤر الصراع المسلح والذى يدار بمعرفة الدول الكبرى.
(7)
حين بنت إسرائيل خط بارليف ظنا منها أنه سيحميها من تقدم الجيش المصرى فى أى معركة قادمة، لم تتصور أن خراطيم المياه كافية لدك هذا المانع الذى لا يقهر، كل حاجز يتم بناؤه بغرض حرمان الإنسان من حقه فى الحياة الطبيعية نهايته معروفة وإن طال الزمن.
الجراثيم وهى كائنات أولية يحدث لها تحور للدفاع عن وجودها ضد المضادات التى يفرزها الجسم والأدوية التى يتناولها الإنسان، فهل يمكن لعاقل أن يتصور أن الإنسان أقل منها قدرة على التكيف.العقل الإنسانى الخلاق والمبدع ليس بعاجزعن الوصول إلى حلول وابتكارات للتغلب على مشاكله، الحاجة أم الاختراع كما يقال. إنسان القرن الـ21 لن يعجز عن كسر شفرات جدار أو أى جهاز فيه تهديد لحياته وحقوقه ومنها تحديد إقامته وحقه فى التنقل إلى حيث يجد مكانا أفضل ليعيش فيه حياة آمنة، ربما يحتاج ذلك لبعض الوقت، لكن فى النهاية سيصل لطريقه.
(8)
من حق الدول أن تدافع عن حدودها وتحميها، لكن عليها فى الوقت نفسه احترام حقوق الإنسان فى كل مكان وليس فقط حقوق مواطنيها.العالم أصبح قرية صغيرة ، ومن حق كل إنسان أن يطمح فى حياة جيدة كالتى يشاهدها على شاشات التليفزيون فى منزله أو فى القهوة أو حتى عند الجيران، تفكير العزل وغلق الآذان عن أنين الآخرين ليس حلا، حين يأتى الطوفان لن يفرق بين من يعيش فى السفح أوعلى قمة الجبل، الجميع سيطوله الدمار.
(9)
لسنا بحاجة إلى مزيد من الجدران العازلة، التى تشير التقديرات المسحية أن طولها مجتمعة يعادل محيط الكرة الأرضية، لكننا بحاجة إلى استعادة قيم العدل والمساواة والإخاء والتسامح، والكف عن ازدواجية المعايير،على الدول والأنظمة التى تظن نفسها قوية أن تدرك أن القوة تحتوى بداخلها على سر تدميرها.. تماما مثل كعب أخيل.
ektebly@hotmail.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق