الحدود زمان

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كلما تواترت أنباء عن القبض على مهربى أسلحة على هذه الحدود أو تلك، تذكرتُ سالف الزمان، زمن تليفزيون الأبيض والأسود، وحتى النصف الثانى من القرن الماضى، فى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات بصفة خاصة، كانت الحدود الغربية مع ليبيا مجالاً خصباً للتجارة، الوارد من ليبيا كان يسمى «مهربات الجمارك»، حتى لو كانت منتجات أوروبية فى معظم الأحوال، من السلوم ومرسى مطروح، حتى مدينة الحمام على مشارف الإسكندرية، وحتى فى أسواق الإسكندرية ذاتها كانت تتواجد هذه البضائع بكثافة، لم يكن التاجر أو البائع يجد غضاضة فى أن ينادى على بضاعته «مهربات الجمارك»، كانت هناك أسواق فى كل هذه المناطق تسمى «سوق ليبيا».

فى رفح والشيخ زويد والعريش على الحدود الشرقية كذلك، كانت هناك أسواق غزة، فى إشارة إلى البضائع القادمة من غزة، أيضاً كانت بضائع غربية مستوردة فى معظمها، كان القادم من العريش أو السلوم يأتى محملاً بما لذَّ وطاب، بدءاً من الشاى والصابون، مروراً بقطع الأقمشة والملابس الجاهزة، وما بينهما كثير، من الساعات والنظارات والأقلام الحبر، والأدوات المنزلية والسجائر والولاعات، حتى القادم من اليمن الشقيق كذلك، القادمون من حرب اليمن حملوا معهم الكثير من البضائع الشحيحة فى القطر المصرى، فى مقدمتها الصينى المستورد، أطقم الشاى والقهوة، والأطباق والكاسات وغيرها.

فى كل الأحوال كانت الحدود معبراً اقتصادياً، حتى لو كان ذلك خارج الإطار الشرعى للسلطة الرسمية، فى الوقت الذى كانت فيه سياساتنا الاقتصادية تُجرِّم الاستيراد على طريقة النظام الشيوعى، إلى أن أُقيمت المنطقة الحرة فى بورسعيد فى منتصف السبعينيات، أصبح الحصول على البضائع الأجنبية أمراً داخلياً من خلال جمارك أُنشئت لهذا الغرض على حدود المدينة، شاهد المصريون كل ما هو مستورد، حتى التفاح والموز، أيضاً لم يخْلُ الأمر من عمليات تهريب واسعة، سواء لإدخال البضائع من الخارج إلى بورسعيد عبر البحر، أو تهريبها من بورسعيد إلى المدن المصرية عبر طرق ملتوية، المهربون فى هذه وتلك حققوا أرباحاً طائلة، كان الحصول على فيديو بجمارك مخفضة أمراً مبهراً، وكان تهريبه أكثر إبهاراً.

لم يكن هناك أبداً أى مجال لتجارة السلاح، لا عن طريق الحدود الغربية، ولا الحدود الشرقية، ولا حتى الحدود الجنوبية، ولا عن طريق بورسعيد، كان الجيران جميعهم طيبين مسالمين، حتى المستورِدين كانوا أيضاً كذلك، فى وقت ما كان هناك حديث عن تهريب المخدرات، كما فى كل دول العالم، إلا أن أحداً لم يكن يعنيه استيراد السلاح، أو تهريب السلاح، أو اقتناء السلاح، كان من المُسلَّم به أن السلاح ممتلكات شرطية وعسكرية فقط، هو أولاً وأخيراً ممتلكات الدولة، قد تتوارث الأسرة المصرية قطعة سلاح عن عائلها بهدف الحراسة أو حتى الاقتناء، إلا أنها لم تكن تسعى أبداً إلى امتلاكه أو شرائه.

ما الذى حدث من متغيرات سيكولوجية للجيران والحدود والتجار والأسرة وكل أطراف البيع والشراء، ما الذى تغير فى المنظومة الحدودية، حتى أصبح الحديث طوال الوقت عن تهريب السلاح بالدرجة الأولى، بل تهريب السلاح فقط، حتى المعارضة السياسية داخل هذه الدول أصبحت مسلحة؟!، الأكثر من ذلك أن الحديث فى الماضى عن سلاح كان يعنى امتلاك قطعة سلاح صغيرة، من عيار 7 مللى و9 مللى أو الرش، الآن اختلفت الأوضاع، أصبح الحديث عن السلاح الآلى، و«آر بى چى»، والمدافع، بل الصواريخ، وقاذفات الصواريخ، لم تعد قطعة السلاح الصغيرة أمراً مقنعاً للأفراد، كما لم تعد البنادق مقنعة للجماعات.

إذا تعاملنا مع السلاح بمنطق المخدرات فنحن أمام كارثة، ذلك أن منطق المخدرات يقول إن كل ضبطية تقابلها 20 شحنة لم يتم ضبطها، ماذا لو أن ذلك هو أمر السلاح أيضاً؟، خاصة أن ما تم ضبطه خلال الشهور التى أعقبت 25 يناير 2011 كان مريعاً، وبصفة أخص ما كان قادماً من المنطقة الغربية، البعض يرى أن وجهة السلاح كانت سيناء بالدرجة الأولى، البعض الآخر يرى أنها كانت غزة، إلا أن الداخل فى كل الأحوال لم يسلم من الأمر، وهو ما يجعل السؤال مطروحاً طوال الوقت: كيف وأين ولماذا؟.

أعتقد أننا أمام معضلة حقيقية من الحجم الكبير، وهى المتعلقة بكيفية إعادة المنطقة إلى سابق عهدنا بها، الجيران الطيبين والتجارة النظيفة، تجارة المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية ومستلزمات المنازل والأفراد، بمعنى أكثر دقة كيفية إعادة الاستقرار الأمنى والسياسى إلى المنطقة، وهل مازال ذلك ممكناً فى ظل الأنظمة الجديدة وصراعات الحكم، أم أن ذلك أصبح من الماضى بزوال الأنظمة التى حققت الاستقرار سنوات طويلة، بما يجعلنا نترحم على الماضى، بحلوه ومُره.

الأسئلة فى ذلك كثيرة، إلا أن المؤكد أن التجار على كل المستويات معلومون للأجهزة الأمنية، تجار المواد المشروعة كما تجار المواد الممنوعة، تجار الشنطة كما تجار المخدرات، تجار الأراضى كما تجار السلاح، قد يختلف الأفراد من هذه وتلك، وقد يكونون هم أنفسهم، إلا أنهم فى نهاية الأمر معلومون للعامة، فكيف بالخاصة، الأمر جد خطير، خاصة أننا أصبحنا فى أمَسّ الحاجة إلى أسواق ليبيا وغزة واليمن وبورسعيد، وفى الوقت نفسه فى حاجة إلى الأمن والأمان والاستقرار السياسى.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق