كيم غطاس تكتب: نموذج التسامح اللبنانى على طريق الاندثار «١-٢»

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يقع المقهى المفضل بالنسبة لى فى بيروت على ناصية أحد الشوارع المقابلة لحديقة كبيرة، تعد واحدة من المساحات الخضراء القليلة فى هذه المدينة، فالأشجار فى هذه الحديقة، المعروفة باسم الحديقة اليسوعية، وذلك لأنها كانت بمثابة المسكن الصيفى للكهنة اليسوعيين الذين كانوا يعيشون بالقرب من الساحل، تقف بقوة وكأنها حامى بقايا الكنيسة البيزنطية.

وبمجرد دخولى للمقهى تسرع النادلة «ليا»، الطالبة فى كلية الصحة والتغذية فى جامعة بيروت، لإحضار القهوة الإسبرسو، وقد نشأت هذه الفتاة فى زحلة، وهى بلدة ذات أغلبية مسيحية فى وادى البقاع الشرقى، أما جاد، محضر العصائر فى المقهى، فهو سورى عاش معظم حياته فى لبنان، ولكنه لا يمثل أى البلدين، فكلما رآنى قام بتحيتى قائلًا «بونجور» (صباح الخير باللغة الفرنسية)، أما محمد، وهو مسؤول عن إعداد الشيشة لزبائن الفترة المسائية، فهو سُنى، وعلى الطاولة المجاورة لى، كانت هناك عائلة تجرى محادثة باللغة الأرمينية لافتة للنظر.

وفى بعض الأحيان أقوم بخيانة مكانى المفضل، وأذهب إلى مقهى آخر يسمى «أبو دانى»، لتناول النسكافيه مع الحليب المكثف، وفى ذلك المقهى هناك صورة كبيرة للسيدة مريم العذراء معلقة على الحائط بجوار لوحة ذهبية كبيرة مكتوب عليها «الله» و«محمد» بالخط العربى، فالنادل يضع صليبا كبيرا على صدره، أما المرأة المسؤولة عن الحسابات، والتى يبدو أنها مالكة المكان، فتتحدث بلهجة يمكن من خلالها معرفة أنها من حى سُنى قريب.

وفى الواقع بات لدىّ فضول وتعجب عن كيفية تمكن هذه العوالم المختلفة من التعايش معًا، فهذه المدينة تمثل ما يشبه اليوتوبيا من التعايش فى بلد يقع وسط منطقة يحكمها التعصب، فهذا يبدو وكأنه العالم الذى كان يتحدث عنه أمى وأبى، وهو ما قرأت عنه فى الكتب، والذى غالبًا ما كنت أشعر به خلال حياتى كطالبة فى حرم الجامعة الأمريكية فى بيروت، ولكن هذه الجزيرة الصغيرة المتنوعة باتت الآن بمثابة بقايا من الماضى، فقد أصبحت مُحاصرة الآن من قبل أولئك الذين يدفعون لنشر التجانس الدينى والثقافى، ولذا فإنها قد أصبحت بمثابة ماضٍ لا تعرفه الأجيال الشابة أبدًا، كما أن الأجيال الأكبر سنًا بدأت فى نسيانه.

إن العالم العربى بات أقل تنوعًا اليوم مما كان عليه قبل قرن مضى، ففى القرن الـ١٩، وحتى الستينيات، عُرفت منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط كمركز للتجارة، وبمشاهدها الأدبية والفنية، النابضة بالحياة، كانت بمثابة ملجأ للأقليات، وكانت أكثر تسامحًا، وعالمية، من أى وقت مضى.

وقد تحدث فيليب مانسل فى كتابه «بلاد الشام» عن «التوحيد الدينى الذى استمر فى كونه مفروضًا فى معظم الدول الأوروبية بشكل هستيرى» حتى أوائل القرن الـ٢٠، فى حين أن بلاد الشام كانت بها مساجد، وكنائس، ومعابد، جنبًا إلى جنب على مدى قرون عديدة، فلم يكن لدى هذه البلدان أماكن يسكن بها بعض الطوائف المعينة، كما لم يكن بها اضطهاد دينى.

نقلاً عن مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية

ترجمة- فاطمة زيدان

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق