أم كلثوم لأحمد شوقى: هذا عيب!

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

دعا أحمد شوقى (أمير الشعراء) أم كلثوم إلى داره بالجيزة «كرمة ابن هانئ» على النيل، لتقدم أمسية غنائية، وغنت أم كلثوم أغنية «اللى حبك يا هناه يا نعيمه يا شقاه»، وقد كتبها الشاعر أحمد رامى ولحنها الموسيقار زكريا أحمد، وبعد انتهاء وصلة الطرب الأولى، أخذ أحمد شوقى أم كلثوم من يدها، وصحبها إلى مكتبه، وسُمِعَ صوت أم كلثوم وهى تصيح: لا مستحيل، لا يمكن أبدا، ثم تقول: إنك تهيننى فى بيتك، هذا عيب.

وتقول أم كلثوم إن سبب هذا الغضب هو أن أحمد شوقى أراد أن يعطيها مظروفا به نقود أجرًا على غنائها، وقد جاءت إلى منزله كصديقة وليست كمطربة، ولكن أحمد شوقى يقول إنه قصد من إعطائها هذا المبلغ أن يدفع لها أجر الموسيقيين وأعضاء التخت، لكنها قالت: إنها ستدفع لهم، وأكملت السهرة، وغنت الوصلة الثانية «هو دا يخلص من الله القوى يذل الضعيف»، وأخرج أحمد شوقى من جيبه علبة سجائر وقلما صغيرا، وكتب بضع كلمات على علبة السجائر، واندمج مع الغناء وعاد يكتب كلمات أخرى.

وفى اليوم التالى فوجئت بأحمد شوقى بك يزورها فى منزلها، ويقدم لها مظروفا مغلقا، وثارت أم كلثوم قائلة: لقد حاولت أن تهيننى فى بيتك أمس، وجئت اليوم لتهيننى فى بيتى، فابتسم شوقى، وقال لها: افتحى المظروف قبل أن تغضبى، فقالت له سأمزِّق المظروف، فرد شوقى: هذه ليست فلوسا، إن هذا وصفى لك وأنت تغنين، وفتحت أم كلثوم المظروف؛ فوجدت فيه أكبر أجر تلقته فى حياتها عن حفل غنائى أقامته، وهى قصيدة:

(سَلوا كؤوسَ الطِلا هل لامَسَتْ فاها

واسْتَخْبِروا الراحَ هل مَسَتْ ثناياها

باتَتْ على الرَّوضِ تَسقينى بصافيةٍ

لا للسُلافِ ولا للوَرْدِ رَيَّاها

ما ضَرَ لو جَعَلَتْ كأسى مَراشِفها

ولو سَقَتنى بصافٍ من حُمَيَّاها

هَيْفاءُ كالبانِ يَلْتَفُ النَسيمُ بِها

ويُلْفِتُ الطير تحت الوَشى عِطْفاها

حَديثُها السِّحرُ إلا أنه نَغَمٌ

جَرَتْ على فَمِ داودٍ فَغَنَّاها

حمامةُ الأيْكِ مَنْ بالشَجْوِ طارَحَها

ومَنْ وراءَ الدُجى بالشَوْقِ ناجاها

اَلْقَتْ إلى الليلِ جِيداً نافِراً وَرَمَتْ

إليه اُذناً وَحارَتْ فيه عَيْناها

وعادَها الشوق للأحبابِ فانْبَعَثَتْ

تَبْكى وتَهْتِفُ أحياناً بِشَكْواها

يا جارةَ الأيْكِ أيامُ الهَوى ذَهَبَتْ

كالحُلْمِ، آهاً لأيَّامِ الهَوى آها).

وألح على الشاعر أحمد رامى أن تغنيها، وكانت ترفض وقتذاك؛ لاعتقادها أن أحمد شوقى من حزب محمد عبدالوهاب، وكان هناك حزبان فى ذلك الوقت، حزب لعبدالوهاب، وثان لأم كلثوم، ففى بداية الأمر كان أحمد رامى من حزب عبدالوهاب إذْ كانا صديقين على مدى طويل فى سنواتهما الأولى، يقضيان السهرات معا، ثم يعودان ويتسلَّل رامى تحت السرير ليكتب شعره، بينما محمد عبدالوهاب يدندن بجواره أرضا، وقد اعترف عبدالوهاب قائلا: لقد تعلمت البوهيمية من أحمد رامى.

ثم اتجه أحمد رامى إلى أم كلثوم، وارتبط محمد عبدالوهاب بأحمد شوقى لسنوات طويلة، وانتهى الأمر بافتتاح أم كلثوم بقصائد شوقى لتغنيها حتى وفاة أحمد شوقى، فاتجهت إلى شعر الدعاء:

(سَأَلتُ اللهَ فى أَبناءِ ديني

فَإِن تَكُنِ الوَسيلَةَ لى أَجابا

وَما لِلمُسلِمينَ سِواكَ حِصنٌ

إِذا ما الضَرُّ مَسَّهُمُ وَنابا).

وفى الأربعينيات من القرن الماضى بعد موت أحمد شوقى بدأت تقرأ شعره، فقرأت قصيدة «سلوا قلبى» ثم بعض أبيات عن السودان، ثم قصيدة الهمزية، واختارت الأبيات التى تبدأ بـ «وُلِدَ الهدى...»، ونجحت قصائد أحمد شوقى نجاحا كبيرا.

وذات يوم دُعيت أم كلثوم لتناول الغداء فى مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية بدعوة من الدكتور بهى الدين بركات، وفى الطريق تمهل السائق؛ ليعبر الطريق جماعة من الفلاحين مع دوابهم، وصاحت أم كلثوم فى السائق: قف مكانك لا تتحرك، وأشارت إلى فلاحٍ يجر خلفه جاموسة، ويغنى قصيدة «سلوا قلبى»، استمعت إليه باهتمام رغم كآبة صوته، ولكنها طربت له، وقالت: كنت أتمنى أن يعيش شوقى ليسمع شعره يتغنى به الفلاحون المصريون فى حقولهم، فقد كان يقول: إن شعره لا يفهمه إلا المثقفون والأدباء.

هكذا سيعيش صوت أم كلثوم ما بقيت اللغة العربية، فهذه الفلاحة التى لم تدخل مدرسة استطاعت أن تجعل الفلاح وهو يمشى وراء الجاموسة يغنى «سلوا قلبى»، والذين عرفوا أم كلثوم عرفوا امرأة كان عشقها الأكبر لوطنها، وعشقها الآخر لفنها، عرفوا فلاحة مصرية أحبت الأرض التى نشأت فوقها وفاخرت بفقرها وبؤسها وجوعها قبل أن تصبح المفاخرة بالفقر «موضة»، ولم تنكر فى يوم من الأيام أنها طافت قرى مصرى فوق حمار، وأحيانا وهى ماشية على قدميها، إذا تعب شقيقها خالد وركب الحمار، أو إذا تعثَّر والدها الشيخ إبراهيم فى سيره، بعد أن مشى على قدميه الساعات الطوال، يبحث عن فرح خفير فى قرية مهجورة تحييه «الست أم كلثوم بخمسة قروش عن الليلة الواحدة».

أم كلثوم لم تكن موهبة فقط، إنها مزيج من الكفاح الشاق والعمل الدائب والصبر الطويل والفشل والمثابرة والدراسة والذكاء الفطرى والإيمان، إنها المرأة التى لم تعرف الغرور، وهى فوق القمة بل كانت تشعر فى كل ليلة تغنى فيها نفس ما يشعر به التلميذ الذى سيؤدى فى اليوم التالى «امتحان الثانوية العامة الرهبة نفسها، القلق نفسه، الحيرة نفسها»، وبعد الحفل تبقى ساهرة تنتظر النتيجة باللهفة نفسها التى ينتظرها التلميذ ليلة ظهور النتيجة.

وبهذا نستطيع أن نرد الجميل لأم كلثوم فهى ليست مُجرَّد مطربة من طراز رفيع، بل هى نبض مصر الحى، وهذا التشبيه من ابتكار المغنى والراقص والممثل الفرنسى العالمى موريس سيفالييه الذى قال عندما زار مصر: «إذا كانت إديث بياف قد استطاعت أن تُجسِّد نبض فرنسا، فإن أم كلثوم هى نبض مصر».

lotuskarim@hotmail.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق