كيم غطاس تكتب: نموذج التسامح اللبنانى على طريق الاندثار «2-2»

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، والحرب العالمية الثانية، وإنهاء الاستعمار، اشتبكت الآراء العالمية مع القومية فى جميع أنحاء العالم العربى، وأدت عمليات طرد الأقليات، التى كثيرًا ما كانت ترتبط بالسلطات الاستعمارية، إلى زيادة التجانس الثقافى، والاجتماعى، وشملت التغييرات الديموجرافية طرد الجالية اليونانية، فى عام ١٩٢٢، من سميرنا، والمعروفة اليوم باسم مدينة أزمير التركية، واستمرت فى الخمسينيات مع طرد الرئيس المصرى الراحل جمال عبدالناصر آلاف الفرنسيين، واليونانيين، والإيطاليين، واليهود، وهو الأمر الذى مثّل نهاية العصر الذهبى لمدينة الإسكندرية، وقد أدى إنشاء إسرائيل فى عام ١٩٤٨ إلى نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين، وإلى تغيير ديموجرافيا الأراضى العربية إلى الأبد، حيث غادر اليهود العرب أو تم طردهم من البلدان العربية.

ففى الوقت الذى كان فيه والدى طفلًا، كان يستطيع أى شخص قيادة سيارته من بيروت إلى فلسطين إلى مصر، ولكن الحدود التى كانت أكثر قابلية للاختراق تم إغلاقها اليوم من قبل الحروب، ومنذ ١٠ سنوات، عندما كنت أغطى الأحداث الجارية فى الشرق الأوسط، كنت أتمكن من الذهاب من بيروت إلى سوريا، وإلى العراق، أو الأردن، وصولًا إلى الكويت، ولكن تلك الذكريات تبدو الآن وكأنها حياة من الماضى.

وفى القرن الـ١٩، وأوائل القرن الـ٢٠، كان التسامح، والتنوع، فى بلاد الشام، لا مثيل له، فكما يقول مانسل: «لم يكن هناك بلاد الشام للمسلمين فى أوروبا»، فلا ترحيب، ولا قبول للآخر.

واليوم، باتت أوروبا غارقة فى موجات من المهاجرين، والعمال، واللاجئين، ومع ذلك، وعلى الرغم من التنوع الموجود فى بلدان أوروبا، فإنها أصبحت تشعر بالقلق من وصول اللاجئين مؤخرًا، فقد وصفتهم بأنهم يتدفقون مثل الفيضان وذلك على الرغم من أنهم يمثلون أقل من 1٪ فقط من مجموع سكان القارة، وأرى أن رد الفعل هذا هو نتيجة شعور الأوروبيين بعدم الأمان بشأن هويتهم، وقيمهم، إلى جانب شعورهم بالتفوق المتناقض، وهو إحساس مماثل لحالة انعدام الأمن، والتفوق، الآخذة فى الارتفاع فى الشرق الأوسط أيضًا، مما دفع البعض إلى زيادة فرض التجانس الثقافى، والدينى على المجتمع.

واليوم، نحن لسنا فقط نفقد أو نقتل أقلياتنا، من الأقباط المصريين إلى الأيزيديين العراقيين، ولكننا نشهد أيضًا تحولات ديموجرافية دراماتيكية تعيد تشكيل هوية المنطقة بأكملها، فقد زاد الصراع السعودى- الإيرانى من أجل التفوق السياسى من تعقيد الأمر إلى حد كبير، ففى سوريا، تم إجبار السُنة على الخروج من مناطق معينة عن طريق العنف، كما تعيد إيران توطين الشيعة اللبنانيين، والعراقيين، مما قد يدفع إلى الفصل الطائفى الكامل.

وفى لبنان، البلد الذى كان يبلغ عدد سكانه 4.5 مليون نسمة فى عام 2011، أى قبل أزمة اللاجئين، والذى يسعى اليوم جاهدًا للحفاظ على التوازن الدقيق بين الأقليات السُنية، والشيعية، والمسيحية، فإن هناك الكثير من القلق بشأن التأثير طويل الأمد للتدفق الذى حدث فى السنوات الأخيرة من قبل حوالى مليون لاجئ سورى، معظمهم من السُنة المحافظين، على نسيج المجتمع اللبنانى.

وبينما أجلس اليوم فى مقهى بيروت المفضل لقلبى، فأنا أعلم تمامًا أننى أجلس على جزيرة تتقلص بسرعة، ولكنى مصرة على الاعتقاد بأنها ستتوسع مرة أخرى عندما ينتهى جنون الحرب فى المنطقة، وقد يرانى البعض أشعر بالحنين إلى الماضى، ولكنى أرى أن الحفاظ على ذكرياتنا القديمة، والتى ليست ببعيدة، للمنطقة وهى متنوعة، وعالمية، هى وسيلة لتذكيرنا بهويتنا وبكيف كان حالنا من قبل، كما أنه يقدم لنا أيضًا خططًا لكيفية رسم مسار أفضل للمضى قدمًا.

نقلاً عن مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية

ترجمة- فاطمة زيدان

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق