د. عبدالعزيز المقالح يكتب: أمة مريضة.. ولكن

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كانت النخبة الفكرية المستنيرة والمستشرفة للأحداث قد توصلت فى أربعينيات القرن الماضى وخمسينياته إلى تحديد أعراض المرض الذى كانت قد بدأت تشكو منه الأمة العربية وتعانى آثاره. كان المرض- يومئذٍ- لايزال فى بدايته ولم يستفحل بعد، ولم تنشأ عنه أمراض أخرى تضاعف من آلامه وخطورته، ولم تكن بعض الأنظمة العربية تتجاهل المرض ولاسيما بعد ثورة 23 يوليو فى مصر، واتساع أثر الأقطار العربية الخارجة من أسر الاحتلال الأجنبى المباشر. لكن المعوقات التى وقفت فى وجه التحول والتغيير- ومصدرها معروف- حالت دون الاستجابة الكاملة للعلاج الناجع، وظل المرض ينخر فى جسد الأمة وتغلغل إلى روحها، وتسلل إلى وجدان بعض أبنائها، ووصل فى المرحلة الراهنة ذروة خطورته بعد أن تكاثرت روافده وتوابعه، واقترب المريض- وهو هنا الأمة العربية- من حافة الوفاة.

لقد كان بعض أفراد من النخبة الفكرية المستنيرة يرون أن الأمة تمر بوعكة صحية عارضة، ستتمكن من تجاوزها فى وقت قصير إذا ما استجاب قادتها لنداء العقل وسارعوا فى تبنى مشروع الإصلاحات المطلوبة فى مناهج التعليم أولاً، وفى توحيد المواقف السياسية للأنظمة ثانياً. ثم فى البدء فى مرحلة بناء التكامل الاقتصادى وتكوين سوق عربية مشتركة. إلّا أن الاستجابة للمشروع كانت بطيئة ومترددة. وفى مناخ القطرية الذى استشرى فقد فاعليته ووجدت الأمة نفسها فى وضع مَرضى (بفتح الميم) غير مسبوق ما جعلها هدفاً سهلاً للعدو البعيد والقريب على السواء، واقترب الجسد القومى من الانهيار، وتداعت مقوماته كما تتداعى المنازل المهجورة والمهملة للسقوط بفعل أبسط المؤثرات وأقلها شأناً.

وهنا أتساءل: هل هناك من يريد دليل إثبات على ما نقول؟ فما عليه إلّا أن يطلبه لدى أول مواطن عربى عادى يلقاه فى أى شارع من شوارع المدن العربية، فقد أيقظت الأحداث المرض المستشرى فى كيان الأمة ووعى كل أبنائها، بمن فيهم البسطاء، ممن لم يمسخ التعليم المنقوص وجدانهم الوطنى والقومى.

ولعل من أشد المقولات الشائعة فتكاً وأكثرها إيلاماً وجلداً للذات تلك التى تقول إن الهوة الزمنية التى كانت فى بداية القرن العشرين تفصلنا عن ذلك الغرب الأوروبى والأمريكى لم تكن تزيد على خمسين عاماً، أما الآن فقد اتسعت الفجوة وصار يفصلنا عن ذلك الغرب ما لا يقل عن خمسمائة عام، وهى مسافة لا يمكن قطعها أو القفز فوقها مهما بذلنا من جهد، وأنه كلما زاد تخلفنا زادت أمراضنا وزادت الفجوة الزمنية اتساعاً، وصار من المستحيل اللحاق حتى ببعض الشعوب التى كانت مثلنا تنتمى إلى العالم الثالث، عالم الفقر والمجاعات والتخلف العلمى والاجتماعى. ونحن بمثل هذا القول لا نجلد ذواتنا- كما قد يظن البعض- ولا نبالغ فى توصيف الدرك الذى وصلنا إليه بقدر ما نحاول إيقاظ الأمل فى أن يستيقظ بين أبناء هذه الأمة العظيمة التى كانت كما جاء فى الكتاب الكريم: «خير أمة أخرجت للناس».

إن الأمم ذات التاريخ العظيم ليست محصّنة ضد الانتكاس والأمراض لكنها لا تموت، شريطة أن يقيّض الله لها من أبنائها روّاداً وقادة مخلصين يتداركونها قبل فوات الأوان، وأمتنا العربية فى واقعها الراهن تنتظر هؤلاء الأبناء الذين سيعملون بوعى ومصداقية على إخراجها من النفق الموحش الذى وقعت فيه. وحين تستعيد عافيتها وتتمكن من الوقوف على أقدامها ستدرك أن هذه المرحلة كانت أسوأ ما مرّ بها فى تاريخها القديم والحديث، وستعطى اهتماماً خاصاً بدراسة الصراع الدموى الراهن، صراع المصالح بين أبنائها بوصفه الأسوأ، فقد غاب عن المتصارعين فى غمرة المعارك الدائرة أن الوطن أكبر من السلطة ومن البقاء فيها، وأن الطموحات الشاذة والرغبة فى الانتقام وتصفية الحسابات ستخلق مستقبلاً يتضاءل عند نتائجه المرعبة كل ما أفرزته الصراعات السابقة من مخاوف وأخطاء.

نقلاً عن صحيفة «الخليج»

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق