الوزير الورقى

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الوزير الورقى المقصود هو المصاب بالرعب طوال الوقت من المكتوب على الورق. يثور ويزمجر. يرتعش ويتوتر. ويرغى ويزبد، إذا قرأ خبرا أو تقريرا لا يعجبه فى صحيفة، أو فيه جملة أو كلمة لا تروق له، حتى ولو كان ذلك ناجما عن سوء فهمه لا سوء ما فى الخبر.

ذاك الوزير كالصحيفة الورقية مستقبله مهدد، بيد أن الشواهد فى الحالة المصرية تدل على أن أجل الوزير الورقى ربما يكون أطول كثيرا من الصحيفة الورقية.

فى العالم كما نعلم نقاشات حامية وحائرة حول صناعة الصحافة، وعلاقة الإلكترونى بالورقى، ونماذج الأعمال الجديدة لإنتاج وتسويق محتوى إعلامى جيد، وكيفية تحقيق ربح أو توازن مالى واستدامة للصحيفة الورقية وموقعها أو مواقعها وصفحاتها على الشبكات الاجتماعية.. صحف تتوارى كل يوم، ومواقع تنشأ أو تختفى أو تتحور، ومازال البحث جاريا عن النموذج المنشود. الصراع على أشده والبقاء للاذكى والأكثر ديناميكة والموت للديناصورات أى للمؤسسات الصحفية التقليدية الكسيحة.

فى الأوساط الوزارية الأمر يختلف، فالأغلبية فى مجلس الوزراء ورقية الهوى. لا يعنيها كثيرا ما ينشر على المواقع أو شبكات التواصل، مهما كانت خطورته، وتتوقف طويلا عند سطر أو كلمة وأحيانا حرف فى صحيفة ورقية وتقوم الدنيا- والآخرة- ولا تقعدها وتتصل برؤساء التحرير أو تشكو المحررين والصحيفة أو تهمزهم عند قيادات الدولة، رافضة منطق أن من حقها التصحيح لو شاءت، فطلبها الحقيقى هو مصادرة المكتوب لا إعلان الحقائق.

هذا الإفراط فى العناية بالورقى والمكتوب ليس حالة ظرفية ناجمة عن المنافسة المكتومة بين الوزراء حاليا والتى فجرها ما بدا أنه تلميع زائد لأحد الوزراء.

وقد ظهر خلال ذلك أن الوزراء الورقيين هؤلاء يعتقدون أن معيار تقييم أى وزير، سواء لدى مدير مكتب الرئيس أو لدى رئيس الحكومة أو حتى رئيس الدولة نفسه، هو كثرة النشر فى الورقى وعدد الموضوعات التى تنشر عنهم حتى ولو كانت من النوع الذى لايقرؤه أحد. ومن ثم راح كل وزير ورقى يطارد رؤساء تحرير الصحف بادعاء انحيازهم لهذا أو ذاك وعدم الاهتمام بشغله، ومهما حاول مسؤول التحرير الرد فلن يفلح.

الظاهرة أيضا قديمة وأذكر جيدا كيف أن وزيرا شهيرا فى حكومة الدكتور نظيف اختار محررة فى صحيفة قومية كبرى كمستشارة له، ولما سُئل عن ذلك لكون مستواها المهنى ضعيف جدا، قال: مش دى الحكاية، المهم نضمن من خلالها خبر يومى فى الجورنال.

كان الشائع وقتذاك أن مبارك يقيّم الوزراء طبقا لما يُنشر عنهم فى الأهرام بالأساس.

أذكر أيضا أن الوزير الذى كان يجد نفسه وقد «عورته» أى صحيفة فى خبر أو واقعة، يطلب من التليفزيون ضرورة حشر خبر عنه فى نشرة التاسعة مساء يتضمن نفيا متواريا للخبر، أو إتاحة فرصة ظهور له بسرعة، فى أى برنامج عقب النشرة مباشرة، لتوضيح موقفه.

كان الوزراء يعرفون أن مبارك يتابع النشرة وما يليها مباشرة، ثم يخلد إلى النوم. معروف طبعا أن تطور المواقع الإخبارية وشبكات التواصل لم يكن وقتها قد وصل إلى ما وصل إليه الآن.

الغريب حاليا أن الهجوم الحكومى لا يتوقف ليل نهار على شبكات التواصل، وما تثيره من شائعات أو بلبلات أو شعللات، بحسبها، وترصد الجهات الأمنية كيف يؤثر ذلك على الرأى العام أو يسممه أكثر من أى أمر آخر، ومع ذلك فلايزال الوزير الورقى عازفا أو عاجزا عن التعامل الفعال مع شبكات التواصل وجمهورها، متوقفا عند الورقى وسنينه وحدهما.

لو استمر الحال كذلك فإن بركانا قد ينفجر فجأة فى وجه أى وزارة- ولا أقول فى وجه البلد كله- وسط استغراب الورقيين: لماذا هذا ونحن قد قلنا فى الصحف أو ضمنا إن تقول ما يغطى الكوكب المصرى إنجازات وما يسمى أخبارا سارة (أغلب أخبار الوزراء الورقيين تبدأ بفعل يبحث أو بحث أمس مع المستثمر الفلانى أو شركة كذا أو جهة كذا، إقامة أضخم مشروع لكذا).

الحل أن تتعلم الحكومة من تجارب الصحف التى تحولت إلى مواقع، وأن تأخذ المواقع العبرة من تجارب الوزراء الذين فشلوا لأنهم لا يعرفون سوى الورقى.

mesbahkotb@gmail.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق