البنت.. مؤدبة جداً!

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

(1)

لا يهم اسمها أو رسمها أو كَسْمها أو لون عينيها ولا يهم إن كان القالب «غلاب أو خلاب»، ولا يهم إن كان الخصر نحيلاً كغصن والرقبة نفرتيتى أو الخصر شجرة بلوط والرقبة ضلع عجالى!، المهم أن البنت مؤدبة جداً كما فى الكتالوج، الصوت هامس يكاد لا يسمع وحمرة الخجل تلون الخدين وعنوانها الخفر والحياء، العينان لا ترتفعان عن الحاجب، «ملهاش حس ولا تهش ولا تنش»، ليس لها خبرة واحدة ولا تجربة أو شبه تجربة، هى التى يطلق عليها «بنت خام»، وفى المدرسة لم تكن لها صداقات مع البنات، فلكل واحدة حفنة أسرار وهى ليس لها أسرار تحكى عنها وتشبك ذراعيها على صدرها وكأنها تحمى النهدين من اختطاف غراب، تشيد المدرسات بأدبها وصمتها واعتذارها الدائم عن أى شىء فعلته أو لم تفعله!، هى فى نظرهن «بنت مثالية» سلوكها، رد فعلها، واجتهادها الدراسى، وهى لا تعلم شيئاً خارج الكتب المقررة، ورفضت الإصغاء لقصيدة لنزار قبانى تقرؤها بنت وقالت «حرام»، ولما سألوها من الذى أفتى بأنها حرام؟ قالت: الشيخ اللى جارنا وصفها بالفسق، وقالت البنت التى تقرأ القصيدة: ده أدب. وردت هامسة: دا قلة أدب. ولأن البنت مؤدبة لم تحاول أى مدرسة أن «تفسد براءتها»، إلا مدرس التربية الذى وصف أدبها بأنه أدب القرود، وقال لها مرة «لازم أهلك يرموكى فى البحر» فقالت له ببراءة: هغرق! قال الأستاذ «اتعلمى العوم»، وتجاهلت البنت النصيحة ومغزاها البعيد، فالحياة بحر هائج وأمواجه تضربنا كل يوم! لكن البنت مؤدبة ولا تدرى شيئاً عن فن العوم.

(2)

ورغم أن البنت فى ربيعها الثالث والعشرين وقد استقام عودها وجسدها وتكور صدرها، إلا أنها تدارى أنوثتها بملابس واسعة وفضفاضة، تخفى حلويات المولد وبلح الشام، إنها ترتدى البنطلون مثل كل البنات ولكنها لا تتنازل عن الجلباب. وإذا حدّق فى وجهها الصبوح صبى، فرت مذعورة، وإذا حملق فى مفاتنها المختفية داخل سحَّارة رجل مجرب، ارتبكت وتلعثمت، وإذا طالت نظرات زميل لها إلى صدرها، ارتعشت من الخوف دون أن تفهم المراد، الجهل بالحياة يطوقها من كل جانب وفضولها للحياة فيه عطب، فهى لا تعلم ماذا يدور فى عالم الصبيان ولم يقدها الفضول مرة لترى على النت الأعضاء البشرية فى حالة عناق وهى لا تحمل موبايل ولا تمنت ودائماً يلح عليها سؤال مدرس التربية لماذا لا تنزل البحر وتتعلم فن العوم؟ ماذا يعنى بهذا الكلام؟ هل يريد التخلص منها بالغرق؟ لكنها ذهبت مع العيلة للتصييف واكتفت بالفرجة ولم تفكر فى لمس الماء وكان هذا فى مصيف جمصة، اكتفت بالنظر إلى الصبيان والبنات فى حالة مرح على الشاطئ وفى البحر ولم تفكر مرة فى التجربة ولا جال بخاطرها، البنت مؤدبة جداً والمجتمع مشغول بالسياسة وملء بطون الناس وليس كامل عذاباتهم ولو قليلاً.. وهناك حالة نكوص مجتمع نسينا مراقبة تحولاته.

(3)

حين جاءت جارتها أم الأطفال التوأم باكية لأن زوجها طلقها، قالت: «حرام يرميها» وقالت «بتغسل هدومه وتفطره وتغديه وتعشيه» وقالت «عايز إيه تانى؟». وقالت الجارة من بين دموعها «طلبات الرجالة كتير يا حبيبتى»، رفضت أن تسألها عن هذه «الطلبات» فلم يحدث أن سمعت أمها تحدثها فى هذه الشؤون، عيب! ولا تملك أن تسأل أمها عن طلبات الرجال، ولو تجرأت، وهذا لن يحدث، فسوف «تصعقها» أمها بنظرة مشفوعة بعبارة «اخرسى يا قليلة الأدب»، وهى لن تخترق الأسلاك الشائكة لأنها مؤدبة! مجتمع خادع، ما وراء جدران بيوته غير السطح الهادئ.

(4)

حين فضحت وأفصحت بقع الدم عن أنوثتها فى الحمام، شهقت من الخوف وكتمت ما جرى عن أمها وظلت طوال الوقت جالسة بانكسار فهى لا تدرى ماذا حدث وربما ارتكبت خطيئة لا تغتفر، لكن الأم فطنت واحتضنتها (!)، هى لا تدرى سر هذا الحضن وقد تتبادل الاثنتان الأم وابنتها الصمت، وعندما ذهبت البنت إلى جدتها قررت أن تسألها بلا خجل، لكنها لم تفتح فمها وتنطق كلمة، كل الذى فعلته جدتها أن احتضنتها وقالت هامسة فى أذنها «يا عروسة» لكنها لم تزد كلمة!. حين رأت أستاذ التربية فى حوش المدرسة، قالت له «حضرتك بعد إذنك عاوز تغرقنى؟ فقال الأستاذ ضاحكاً: «عاوز الدنيا تخربشك شوية»، فقالت البنت بغضب: محبش حد يخربشنى. ولم تفهم المراد.

(5)

البنت مؤدبة شأن كل البنات المؤدبات فى بر مصر وصعيدها وصحاريها، قصص زواجهن واحدة ومعظمها زواج أقارب رغم المثل العامى «الأقارب عقارب». وقصص طلاقهن السريعة واحدة، كلهن يجهلن الحياة الزوجية، فهذه أمور لا يليق الكلام فيها ولا يجوز، ولا توجد أم متعلمة قادرة على إيضاح التجربة، فالحياء يمنعها ويقص لسانها، ولا يوجد برنامج تليفزيونى أو إذاعى يعوض نقص خبرات البنات وربما الأولاد الذين يتزوجون فى سن صغيرة، وبعض الخبراء ينادون بالزواج المبكر والبعض يرون «أن الزواج المبكر طلاق مبكر»!! وهى لا تدرى أيهما أفضل خصوصاً أن 80٪ من البنات لا يعرفن الحب إلا فى الأغانى وروايات السينما. زواج تقليدى نهايته الطلاق بعد قليل فأدنى حد من «الرغبة»! فطابور طويل طويل طويل من المطلقات الحائرات «المجنى عليهن» بسبب الجهل وافتقاد تبصر البنات، وربما طفل يولد كل 3 ثوان وربما طلاق يتم كل 7 ثوان، والنسبة مخيفة، والمجتمع يتابع الكرة باهتمام وشارى دماغه وغربان التعاسة تحوم حول بيوت معلقة على أحكام المحاكم!.

(6)

البنت مؤدبة، أدب الخرس والعتمة وعمى البصيرة!!.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق