مولد سيدى النيويوركى

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أعتقد أنه يجب دراسة حالة أو أحداث نيويورك المصاحبة لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأعوام الأخيرة، ذلك أن لقاءات الوفود وإلقاء الكلمات وما تحمله من رسائل، قد توارت أهميتها خلف الأحداث التى تجرى فى محيط مبنى المنظمة الدولية وفنادق المدينة ككل، وأصبح الوضع أشبه بالمولد السنوى، فيما يمكن أن يطلق عليه، مولد سيدى النيويوركى، حيث الطبل والزمر والهتافات، وأعلام وصور ولا فتات، وأيضاً الشتائم وتبادل السباب بين مؤيدين ومعارضين، وقوات أمن للفصل بين أبناء الوطن الواحد، واعتقالات، وسط تغطية إعلامية لهذه الأحداث تتجاوز فى كثافتها تغطية الحدث الأصل أو الرئيسى داخل مبنى المنظمة.

ما لا يعرفه البعض هو أن بعض الدول تستبق هذا الحدث باتفاقيات تعقدها مع شركات دعاية وعلاقات عامة هناك، تحمل على عاتقها تحسين صورة هذه الدولة أو هذا الرئيس، قبل وأثناء عقد الاجتماعات، من خلال لافتات ونشر أخبار بوسائل الإعلام، وتسريب تقارير تحمل ما من شأنه تجميل أوضاع معينة تعانى منها هذه الدولة أو تلك، إلا أن الجديد هذا العام هو ما تضمنته الاتفاقيات بتشويه صورة دولة أو دول أخرى، مثلما حدث من بعض دول الخليج، التى بدا أن أخبارها كانت الأكثر كثافة فيما يتعلق بتدهور حقوق الإنسان فى بعضها، ودعم البعض الآخر للإرهاب، وجميعها أخبار وتقارير مدفوعة الأجر، فى تحميل آخر على الموازنات التى تئن من مثل هذه الأوضاع.

الغريب أننا لا نرى مثل هذه الممارسات فيما يتعلق بدول العالم المتحضر، ربما لسبب وحيد، وهو أن المعارضة هناك يمكنها التعبير عن رأيها داخل الوطن، أى أنها ليست فى حاجة إلى الذهاب إلى المولد النيويوركى للتعبير أو التظاهر أو السباب أو ما شابه ذلك، وبالتالى فإن وفودها الرسمية لن تكون فى حاجة إلى تحميل طائرات بالإعلاميين ولا الفنانين ولا الهتيفة ولا ما شابه ذلك، إلا فى حدود الرسميين والإعلاميين الذين تتطلبهم المهمة، وهو الأمر الذى يجب أن نتوقف أمامه طويلاً.

المثير للانتباه أيضاً هو أن العام الواحد يشهد اجتماعات متعددة لقمم مشابهة على المستوى الإقليمى فى العديد من الأقطار، كاجتماعات القمة العربية، أو الأفريقية، أو حتى الخليجية، إلا أننا لا نرى على هامش هذه الاجتماعات مثل هذه الأحداث، بل إن المواطن العربى أو الأفريقى لا يسعى إلى مجرد المحاولة، ربما لأنه يدرك أن الدول مستضيفة الاجتماعات لن تسمح بمثل هذه الأحداث من جهة، ومن جهة أخرى لأنه لا يعول على مثل هذه الاجتماعات فى تحقيق ما سوف يطالب به.

الدورة السنوية لاجتماعات الأمم المتحدة تحولت إلى موسم سياحى، أشبه فى اقتصادياته بموسم الحج، الفنادق كاملة العدد، المطاعم أيضاً، حركة واسعة فى البيع والشراء، فى تأجير السيارات، فى تأجير شركات الأمن، فى التعامل مع شركات العلاقات العامة، فى رشوة وسائل الإعلام، فى تشغيل العاطلين، فى تأجير المرتزقة، فى تأجير الهتيفة، إلا أن الغريب هو أن السياح هنا فى معظمهم من الدول الفقيرة اقتصادياً، أو الفقيرة سياسياً، بما يشير إلى قصور التفكير وغياب الرؤية فى التعامل مع مثل هذه الأوضاع، حيث راح الجميع يخطبون ود الرئيس الأمريكى رغم ضعفه داخليا، وود إدارة بلاده على الرغم من تراجعها خارجياً.

أتصور أن إصلاح الأوضاع الداخلية فى بلدان العالم الثالث يمكنه الحد من مثل هذه الممارسات، ذلك أنهم لن يكونوا فى حاجة إليها، كما أن إصلاح حال المنظمات الإقليمية يمكن أن يحمل عبئاً كبيراً هو الآخر، دون الحاجة إلى عبور المحيطات بكل هذه التكاليف، ودون الحاجة إلى تحميل موازنات تلك الدول فوق طاقاتها، ودون الحاجة إلى أن نُصبح مجالاً خصباً للفرجة والمشاهدة والسخرية من الآخرين، فيما يشبه مسارح الكوميديا، أو مسارح العرائس، أو حتى فقرات مولد الليلة الكبيرة فى رائعة الراحل صلاح جاهين، وأتذكر منها «واد من بلدنا هناك أهُه».

أتمنى أن يأتى اليوم، الذى نشاهد فيه زعيماً عربياً يلقى كلمة العرب من على منبر الأمم المتحدة، نيابة عن الزعماء العرب جميعا، تتضمن موقفاً عربياً موحداً تجاه القضايا الإقليمية والدولية فى آن واحد، أتمنى أن يلقى زعيم أفريقى كلمة القادة الأفارقة، أتمنى أن يلقى زعيم إسلامى كلمة الدول الإسلامية، فى الوقت الذى تكون فيه المنظمات الإقليمية قد وصلت فى أدائها وفعالياتها إلى ما يؤهلها لذلك، أتمنى أن تنتظر شعوب المنطقة مثل هذه الكلمات بشغف، كانتظارها لمباريات الكُرة على أقل تقدير، بدلاً من حالة اللامبالاة تجاه كل ما يقال من على هذا المنبر، أو تلك التلاسنات التى تعقب الأداء الحالى.

أعتقد أن الأمر فى حاجة إلى إعادة صياغة من كل جوانبه، لما فيه مصلحة الشعوب، وبما يحقق مصلحة دول المنطقة على أرض الواقع، مع وضع المتغيرات العالمية فى الاعتبار، والتى لم يعد يصلح معها خداع الرأى العام هنا أو هناك، فى ظل السماوات الفضائية المفتوحة من جهة، وتطورات السوشيال ميديا عموماً من جهة أخرى، وما أكثر موالد العالم العربى بصفة خاصة، والتى يمكنها أن تتفوق على مولد سيدى النيويوركى، إن نحن أحسنَّا التنظيم والتدبير.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق