مدينة بلا ترام

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

المدينة التى يسير بها الترام هى فى الغالب مدينة أنيقة، فالترام قادر بتهاديه وانسيابيته وهو يخطر يشق المدن على أن يقدم لمدينته وجهاً رائقاً طيباً. لهذا فإن البلاد المحترمة تحرص على وجود الترام فى مدنها لاعتبارات كثيرة، حتى ولو كان يوجد بها المترو النفقى والأتوبيس. ولعل هذا هو السبب فى أن معظم المدن العربية لا يسير بها الترام، فهى إما بلاد نفطية لا تعرف النقل الجماعى وتفضل أن ينتقل كل فرد فى سيارته الخاصة، وإما بلاد غير نفطية يسيطر عليها القراصنة الذين لا يفهمون فى الجمال والشياكة أو فيما يخدم الناس.

دخل الترام بلادنا منذ عام 1860 عندما سار يتبختر فى الإسكندرية لأول مرة وكانت تجره الخيول. بعد ذلك أصبح يسير بالكهرباء اعتباراً من أول القرن العشرين، ومثله ترام القاهرة الذى كانت له شبكة تغطى المدينة بالكامل. ما يميز الترام ويجعل له أهمية قصوى فى وقتنا هذا أنه وسيلة نقل نظيفة لا يصدر عنها عادم ولا تلوث البيئة، ولعل نظافته هذه كانت سبباً فى انقراضه من مدينة القاهرة، حيث تعقبه المسؤولون البغاة الجهلاء وساروا خلف خطوطه واحداً واحداً حتى اجتثوه بالكامل من المدينة وأحلوا محله الميكروباص الذى يقوده البلطجية والتوك توك الذى يقوده الأطفال أشبال البلطجية!. عجيب جداً أمر المسؤولين عندنا..

لقد منحهم الله وسيلة نقل جماعية معزولة عن بقية الشارع ولها مسارها الخاص فى معظم الأحيان ولا تسبب التلوث، فلم يحمدوا الله عليها، وإنما قاموا بإلغائها فى سلوك أقل ما يوصف به أنه سلوك همجى. ولعلهم لا يعرفون أن البارون إمبان هو الذى أدخل ترام مصر الجديدة ومده فى الصحراء، فجعل من القفار الرملية مدينة عامرة حتى أتى الجهلاء الأغبياء فأوقفوا الترام وملأوا مصر الجديدة بالضوضاء والتلوث والزحام. لقد عشت فى طفولتى ورأيت خطوط الترام تمتد من السكاكينى إلى السيدة زينب، ومن العباسية إلى شبرا، ومن رمسيس إلى إمبابة، ومن التحرير إلى مصر الجديدة، ومن الدراسة إلى المطرية، ومن مدينة نصر إلى كلية التربية. ولقد آلمنى بشدة أن أشهد نهاية الترام الذى كان يمر بشارع الظاهر لأن السادة تجار الأدوات الصحية بالفجالة طلبوا من عضو مجلس الشعب أن يلغى لهم الترام الذى يمنعهم من الاستحواذ على الشارع وجعله مخزناً لبضاعتهم، ولقد استجاب الرجل النذل القبيح لطلب المماليك الجدد، ومسح الترام من خريطة حى الظاهر. وكان الترام يشق صلاح سالم ويصل لنهاية مصطفى النحاس فى مسار لا يعترضه شىء، فلا هو يعطل السيارات ولا يضايق المارة فى شارع عرضه مائة متر، فإذا بالإنكشارية بين ليلة وضحاها يقومون بسفلتة الشارع وطمس القضبان وإلغاء الترام الجميل بجرة قلم!. وإذا سألت عن السبب قالوا لك: لا توجد ميزانية لتطوير الترام وشراء عربات جديدة ومواتير قوية!.. أى والله هذا ما قاله السفهاء فى تبرير جرائمهم فى حق سكان المدينة.

لقد أصبحت مدينة القاهرة تليق بمسؤوليها وتشبههم.. قبيحة كئيبة خانقة.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق