بعد الخلاص من «داعش» أهالى الحويجة فى انتظار المجهول

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

نساء خائفات عيونهن الظاهرة فضحت الفزع المختبئ بوجوههن رغم إخفاء الملامح بقطع القماش القديم، أمام منزل طينى ككل مساكن القرية وقفن متربصات من المجهول القادم عليهن بعد ثلاثة أعوام من حكم الدواعش لهن، فى أحد أركان شارع بقرية سرايا الملح، إحدى القرى التابعة للحويجة، تجمع رجال القرية الذين لم يستطيعوا الفرار بأسرهم رغم تحذير التنظيم لهم من القتل على يد الحشد والتمثيل بالجثث واغتصاب للنساء، بعيون زائغة وشعور شعثاء وابتسامة مرتعشة تلتمس الرحمة من القادم عليهم استقبل من تبقى من أهل القرية قوات الحشد الشعبى بعد انتصارهم على داعش فى معركة الحويجة.

فى يد أحد عناصر الشعب ثمرة موز كان يهم بأكلها فرأى أحمد (طفل عمره 4 سنوات)، جالسا على حجر أبيه معلقة عيناه بالثمرة فأعطاها له المقاتل، فإذا بالطفل يأكلها بقشرها وحين تعجب الجميع رد الأب، إنه لا يعرف الموز ولا يعرف الفاكهة، فقط كبر فى عهد داعش ومنذ ثلاثة أعوام لم نر ثمرة فاكهة واحدة فكيف له أن يعلم أن الموز يتم تقشيره.

منيعة محمد، سيدة سبعينية من أهل سرايا الملح، قام تنظيم داعش بالحكم على ابنها بكسر قدمه بالمطرقة بعد أن حاول الهرب بها لعلاجها فى كركوك. عندما اشتد عليها المرض من حياتها مع الدواعش، تقول منيعة «قتلونا من الجوع والعطش، أصبحنا حفاة جوعانين بسببهم، حياتنا أصبحت مرارا من يوم ما دخلوا إلينا، كسروا رِجْل ابنى لأنه كان يريد علاجى».

هادى شاكر من فرقة الإمام على التى دخلت قرية سراى السلام يتحدث عن سبب قتلهم للبعض دون الآخر فى القرى التى يدخلونها «ندخل القرية ومعنا معلومات استخبارية بأسماء الدواعش الموجودين فيها فنقتلهم إذا لم يفروا، وفى هذه القرية حف الدواعش لحاهم ثم هربوا قبل دخولنا».

على عزيز، 32 سنة، راعى غنم يقول «جميعنا نعمل فى رعاية الأغنام، عندما دخل علينا داعش حرموا علينا الملابس الطويلة وتدخين السجائر، ومن كان يخرج من القرية ولم يمت من الألغام التى أحاطوا بها القرية، كانوا يقبضون عليه ويحكومون عليه إما بالإعدام لو كان يتعاون مع الأمن وإما بكسر القدم بالمطرقة إذا كان يريد الهروب من العيش معهم».

خماس طاهر، رجل ستينى، يبرر عدم لجوء أهل القرية للهروب، بأن الدواعش كانوا يبحثون بالموبايلات طوال الوقت ومن يجدون عنده رقما غريبا أو رقم أحد من أمن، يعدمونه ومن يحاول الهرب أو يدل أحدا على طريق للهروب يقومون بإعدامه وقد أعدموا خمسة شباب بالساحة المجاورة بسبب اشتراكهم فى عملية هروب.

أما مصطفى (33 سنة)، فقد اتخذ ركنا وحده اختلى فيه بسيجارته الأولى منذ 3 أعوام وشهرين ويومين كما يحسبها، يقول مصطفى «لم أكن أجرؤ على شرب السجائر مع وجود داعش فقد كان العقاب لشاربها الجلد بينما لبائعها قطع نصف الكف فى المرة الأولى وإذا تكرر بيعها لها يقطعون الكف كاملة».

ورغم حرمان مصطفى من السجائر عنوة على يد داعش إلا أنه لم يسلم من الجلد، ثلاثين جلدة على ظهره لأنه أفطر أول يوم رمضان بسبب مرضه العارض.

أما مثنى حميد فقد كان أكثر أهل القرية جلدا حيث تعرض للجلد 75 جلدة مرة واحدة، وذلك لأنه لم يصم يوما فى رمضان ولكن القاضى الشرعى لداعش قضى عليه بعقوبة مضاعفة لأنه أفطر وعندما سأله لم يندم على فعلته وأعلن أنه فاطر وأن هذا شىء لا يخص الامير، فكانت عقوبته عقوبة الفاطر المجاهر.

أما أحمد فقد كسروا قدم أخيه بالمطرقة لأنهم حاولوا الخروج لعلاج والدتهم، وقاموا بإمضاء محمد على ورقة دين بـ10 ملايين دينار للأمير (90 ألف دولار)، لأنه علم بمحاولة أخيه الهرب لعلاج أمه ولم يبلغ، ويفسر أحمد راعى الغنم بالقرية فرض ذلك المبلغ الذى يفوق إمكاناته عليه «نعم مضيت على هذا المبلغ حتى إذا ما هربت يوما ما يصبح منزلى وكل ما أملك ملكا للامير، حلالا له بهذه الورقة».

أما عدنان جاسم من مركز الحويجة فقد تم حبسه فى سجن داعش لمدة 32 يوما فى انتظار المحاكمة بتهمة التعاون مع جهات أمنية لأن أخاه شرطى، ولم ينقذه من الذبح إلا قدوم أمير جديد لهم تفحص السجن فوجد 560 سجينا مع تعذيب بعضهم تعذيبا مستمرا بالكهرباء أو الجلد أو التعليق فى السقف، وقال الأمير الجديد إن هذا العدد غير منطقى وسرح بعضهم وهو كان ممن أفرج عنهم.

رحلت داعش من الحويجة تاركة خلفها لوحة ملقاة على الأرض كتب عليها «رجال الدولة الإسلامية، فى الدفاع الجبال الراسيات وفى الهجوم الضوارى العاتيات».

ليست هذه نهاية معاناة السنة العراقيين الباقين فى مناطق داعش، بل بداية معاناة جديدة سوف يعيشونها من وصم بالإرهاب وحديث عن خلايا نائمة، ومحاولة العودة لحياة عزلوا عنها لما يزيد عن ثلاثة أعوام، كأنهم أهل كهف ناموا عن العالم وأحداثه ثم صحوا فجأة على صوت المدرعات والكلاشينكوف بين فريقين يعتبرهم أحدهما شعبا يجب عليه الطاعة العمياء فى أرض الخلافة ويعتبرهم الآخر حزاما ناسفا متخفيا تحت لحية سنية.

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق