حكايات آخر معاقل التنظيم: الصفوف الأولى للحشد.. والأرض للجيش والبشمركة

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بدأت السبت الماضى عملية تحرير الحويجة والتى استمرت على مدار الأسبوع، على يد القوات العراقية متمثلة فى الحشد الشعبى والفرقة التابعة للقوات المسلحة العراقية والشرطة الاتحادية، وكانت عملية تحرير الحويجة هى المعركة الثانية بعد معركة تلعفر التى تم تحريرها بعد إعلان حكومة أربيل نيتها إجراء استفتاء للاستقلال بإقليم كردستان.

وكانت خطة تحرير الحويجة تعتمد على الهجوم على سلسلة جبال حمرين المحيطة بمنطقة الحويجة والقرى المحيطة بها، الجمعة الماضى، وبدأت الخطة بفتح ممرات فى سلسلة الجبال التى قام التنظيم بحرق آبار النفط الموجودة بها حتى يعرقل الهجوم الجوى، ثم تلا ذلك مرحلة تطهير القرى خلف سلسلة الجبال فى المناطق التى استطاعت القوات العراقية فتح طرق بها.

وكانت العقدة الحقيقية فى عملية التحرير هى منطقة «الفتحة» التى فصلت «داعش» عن القوات العراقية بالجبل والنهر معا فمثلت نقطة حصينة للتنظيم واستمر القتال بها نحو ثلاثة أيام.

ثم أتى الانتصار مساء الخميس الماضى، «حرب مقدسة» فى نظر طرفيها، يظن طرف فيها أنه «يعيد زمن الخلافة ويبسط رسالته الدموية على الأرض»، ويرى الطرف الآخر فيها «انتصارا معوضا للحسين على بنى أمية، حتى لا تتكرر لعنة التخاذل فى كربلاء».

ما إن تترك القوات العراقية كركوك خلفها متجهة نحو قضاء تكريت حيث تقع الحويجة بين كركوك وتكريت، حتى تقابلهم الأدخنة الكثيفة المتصاعدة من حقلى «علاس» و«عجيل»، اثنان من أكبر حقول البترول فى الحويجة واللذين سيطرت عليهما داعش منذ يونيو 2014، وكانا يمثلان أهم مواردها للحصول على السلاح مقابل البترول فى صفقات مع دول جوار العراق، فى محاولة من التنظيم للتشويش على رؤية طائرات الاستطلاع التى تسبق القوات العراقية لتحديد أماكن تواجدهم.

بجوار جسر مدمر، فجره التنظيم قبل قدوم القوات ليمنع دخولها إلى مناطقه، امتد جسر آخر مهدته القوات العراقية وسط الأراضى الوعرة، ليحمل المقاتلين إلى مواجهتهم الأخيرة مع «داعش»، تتقدم القوات سيارات بها أجهزة متقدمة لكشف الألغام وتمييز العوائل الفارين من قبضة التنظيم، عن عناصر داعش الانتحارية المهاجمة.

مئات السيارات تحمل شباب الحشد الشعبى (أغلبه شيعة وبعض ألوية سنية ومسيحية) من ألوية مختلفة تتصاعد منها الأغانى الدينية الحماسية حيث ذكرى عاشوراء أحد أهم الأيام المقدسة لدى الشيعة، ينادى المحاربون باسم العباس والحسين ثم ينطلقون رافعين رايات كتب عليها أسماء آل البيت.

قبل الهجوم يقف الحاج أبو ياسمين الذى تجاوز الستين من عمره، المنسق الإدارى للعتبة الحسينية لفرقة اللواء على الأكبر، يحدثهم بنبرة حماسية عن حربهم المقدسة فى حماية الأرواح والأعراض ومصاحبة الحسين لهم ومباركته لخطواتهم، يسلم عليه الشباب ويلتقطون معه الصور، ثم يبدأون الإنشاد الدينى فى طريقهم لقلب المعركة.

تتقدم عناصر كشف المتفجرات وإبطالها، ينجح بعضهم ويفقد البعض أرواحهم أثناء العملية، فقد قام التنظيم بزراعة عبوات ناسفة طوقت سلسلة جبال حمرين المحيطة بالحويجة بالكامل، ويتبع ذلك تقدم الصفوف الأمامية للحشد الشعبى، ما إن تتقدم القوات حتى تفاجأ بالسيارات المفخخة تتجه بسرعة جنونية نحو المقاتلين، توقفت إحدى هذه السيارت قبل انفجارها فجأة بسبب إصابة قائدها وحينما فتح أفراد القوات العراقية باب السيارة فوجئوا بقائدها يقودها بعكازين لأنه فاقد لأطرافه فى معركة سابقة، هكذا يضحى التنظيم بأبنائه من ذوى الإعاقة فى الصفوف الأولى من هجومه.

اتبع تنظيم داعش تكتيكا واحدا فى كل مراحل معركة الحويجة، حيث تتبع عملية إبطال المتفجرات من قبل الجيش بعمليات انتحارية لعناصر من معاقيه، لذا بات استنتاج الخطوة التالية لحرب التنظيم متوقعا من جانب القوات العراقية.

من خلف خط سلسلة جبال حمرين، كانت القرى المحيطة بمدينة الحويجة، حيث تم تحريرها بسهولة بسبب سخط أهاليها من العرب السنة على داعش الذين سجنوهم داخل قراهم على مدار ثلاثة أعوام.

المرة الأولى التى يستطيع فيها أن يدخل إلى قرى قبيلته بعد ثلاثة أعوام برفقة الحشد الشعبى منذ ثلاثة أعوام بعد أن كان أحد المطلوبين من داعش لأنه أحد الكوادر السياسية بمحافظة كركوك.

يقول الشيخ برهان مزهر العاصى شيخ قبيلة العبيدى المنتشرة بقرى الحويجة وكركوك «تركت الحويجة لأننى كنت أحد المطلوبين من داعش والآن أدخلها مع قوات الحشد الشعبى وأنا سُنى وفى الحشد أبناء السنة من قبيلتى، ولا صحة لما يقال من أن الحرب على داعش للشيعة فقط، فجميعنا نعانى من إرهابهم، وأول من أضير هم السنة المحتجزون لديهم».

يعتبر طالب نورى حبيب (54 سنة) أحد المقاتلين فى فوج القاسم من الحشد الشيعى على جبهة الحويجة أن معركة الحويجة ما هى إلا امتداد لمعركة الطف «كربلاء» ضد بنى أمية، ولذا فإنهم سينتصرون تلبية لنداء المرجعية، ويختم حديثه بنداء يردده خلفه باقى المقاتلين «لبيك يا حسين لبيك يا حسين».

على جبهة القتال كان عبدالله (54) معمم من فوج القاسم نزل إلى ساحة القتال منذ تحرير الموصل قرر الانضمام إلى الحشد، ربما تؤثر عمامته وخطبه الخاشعة بصوت دافئ خفيض ذى تأثير واضح على ملامح الشباب من حوله فى تحقيق النصر بهذه الحرب بنسبة أكثر من حمله للبندقية.

على الجبهة أخذ أحد المقاتلين يردد الأناشيد ويردد خلفه المقاتلون «أردنا نعرف سبب تقصير الحكومة، هاى غايتنا الوحيدة، أبدا ما عندنا مصالح دنيوية»، ملمحا إلى حرص الحكومة العراقية فى دعمها للحشد الشعبى، حيث يعتمد الحشد فى توفير معظم المؤن والطعام على تبرعات عينية من مواطنين عراقيين.

فى إحدى جلسات التخطيط بغرفة عمليات الحويجة التى جمعت قيادات الفرقة التاسعة بالجيش العراقى مع قيادات الحشد الشعبى تساءل أحد كبار القيادات بالجيش العراقى عن الحشد متعجبا «إنهم مجانين، يحاربون بدون خطة، فقط يهاجمون ويدخلون بدون تفكير أو تكتيك حربى».

يقول مرتضى أحد المشاركين بمعركة الحويجة «هذه حرب عصابات ولا يهزم العصابة إلا العصابة، الجيوش النظامية مثل الجيش العراقى أو الأمريكى حتى لا تنتصر فى حروب الشوارع لأنها تستخدم استراتيجية الآليات، ولا ينزلون أفرادا يقاتلون ولذا ينتصر عليهم العدو لأنه يستهدف الآلية بصاروخ يموت فيها 5 أفراد أو أكثر، ولكن الحشد الشعبى يستخدم مجموعة مقاتلة أمام مجموعة فتقاتل وتنتصر».

يسيطر الحشد الشعبى على الحويجة فى 6 أيام ولا وجود لعنصر واحد من البشمركة، ويقول مهند العقابى المتحدث الإعلامى باسم الحشد الشعبى ورئيس فرقة الإعلام الحربى بالحشد عن ذلك «لم نكن بحاجة إليهم ونحن قادرون على التحرير بأنفسنا حتى نضمن عدم هروب أى من عناصر داعش فى المعركة إلى الخارج».

«اخرجوا من طريق البشمركة، إن أردتم البقاء أحياء» هكذا يوجه أمير التنظيم كلمته الأخيرة إلى أهالى الحويجة من العرب السنة قبل دخول القوات العراقية إليهم، حيث تسيطر قوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان على أحد المنافذ بين الحويجة وكركوك.

وهذا ما يفسر لجوء 110 داعشى بالإضافة إلى ما يزيد عن ثلاثة آلاف نازح من أبناء الحويجة من السنة العرب.

يقول اللواء رسول عمر لطيف قائد المحور الرابع بكركوك المشرف على منطقة الحويجة «كان بيننا وبين القوات العراقية اتفاق مكون من 5 نقاط، أن نفتح طريقا لجيش العراق من هنا من عندنا لفتح جبهة أخرى مع داعش، ثانيا أن تشارك قوات الإسناد الخاصة بنا فى الحرب مع القوات العراقية، والثالثة كانت تبادل المعلومات الاستخبارية قبل المعركة مباشرة، رابعا أن نسلم كل من يقع تحت أيدينا من الدواعش إلى حكومة كركوك، خامسا اتفقنا أن يكون العبء الإنسانى فى رعاية واستقبال النازحين علينا، لم تحقق القوات العراقية من الـ5 بنود إلا الاثنين الأخيرين فقط، وذلك على عكس ما كان يحدث فى المعارك السابقة».

وعن الاتهامات الموجهة لقوات البشمركة من جانب القوات العراقية بتهريب الدواعش يقول لواء رسول «هذا الكلام غير حقيقى، وإلا ما كنا سلمنا الـ110 داعشيين الذين دخلوا إلينا فارين من معركة الحويجة، فقط الدواعش والنازحين معهم يخافون من قتلهم على يد الحشد الشعبى بينما نحن لا نقتل أحدا فقط نسلمهم لجهات التحقيق».

الحديث عن تخوفات الحكومة الكردية من تواجد الحشد الشعبى قريبا من كركوك يملأ أصداء أربيل، وعن هذا يقول رسول «البشمركة لا يخافون أبدا خاصة أننا منذ زمن فى حرب مع هذا الجيش، ولكننا فقط لا نريد حربا فقد مرت العراق بما يكفى من الحروب، منذ عام 1961، وهذا كافٍ لا نريد معركة نريد نعيش فى سلام، منذ ثلاث سنوات كانت قوات البشمركة مع القوات العراقية تشاركها بقتال داعش طوال الوقت وبدلا من أن يشكرنا السيد العبادى، أصبح يهدد بمعركة، هذا كلام غير منطقى خاصة أننا كبشمركة نحسب نفسنا من داخل منظومة الجيش العراقى حسب الدستور العراقى ولكن الخلافات السياسية بعد الاستفتاء أدخلت كلمة المعركة مجددا فى القاموس بين الجيشين».

وعن تواجد الدواعش فى العراق بعد الحويجة يقول رسول «إن قائد قوات الشرطة الاتحادية أخبرنى أن القوات العراقية سوف تتوجه للتمركز فى قضاء قائم محافظة الأنبار، فى منطقة حدودية بدير الزور السورية التى استقرت بها قوات داعش، تحسبا لدخول الدواعش إلى العراق إذا ما تم حصارهم فى سوريا».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق