فنان قتله الهواء (4)

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

فى الصباح الباكر استيقظت على تليفون يدق بإلحاح، وصاحبه يعاود الاتصال كلما سكت الجرس. قمت بالرد متثاقلاً فإذا هو الفنان. قلت له: صباح الخير.. ما هذه المكالمة المبكرة؟

قال: أرجوك يا شقيق أحتاجك فى خدمة. قلت: ماذا عساك تريد على الصبح.. هيروين؟

لم يستجب للدعابة وفوجئت به يرجونى أن أنزل إليه وآخذه إلى الملعون مرة ثانية، ذلك أن تموين الأمس نفد بسرعة لأن الصنف كان «عالى» بصورة لا تصدق.

قلت له وقد شعرت بأن هناك شيئاً فى الأمر لا أفهمه: لقد تركتك منذ أقل من ست ساعات، والمفروض أنك استهلكت جزءاً من التموين أو حتى استهلكته كله. قال فى نفاد صبر: وبعدين؟.

قلت: الطبيعى أن تكون الآن مسترخياً فى السرير بعد أن عملت دماغ حلوة أسلمَتك لنومٍ عميق.

قال: معك حق طبعاً.. أنا لا أحتاج هذا للاستخدام الفورى، لكن اعذرنى فأنا موسوس ولا يهدأ لى بال أو أستطيع النوم قبل أن أطمئن على تدبير تموين المساء والسهرة.

قلت له صادقاً: أنا أريد أن أكمل نومى ويؤسفنى أننى لن أستطيع أن أفيدك فى قضاياك التموينية هذه. استحثنى الفنان بعد أن فقد لهجته المرحة وحلت محلها لهجة فيها ضراعة وتوسل جعلتنى أشعر بالقلق والضيق معاً. قلت له: كلم خالد.. هو معه سيارة ويستطيع أن يسعفك سريعاً. قال: خالد لا يرد على التليفون وليس عندى غيرك.

اعترتنى حيرة، فأنا لا أحب التورط فى أمور كهذه، وقد جاملته بالأمس فى وجود خالد ولم أرد أن أكون سخيفاً معهما، ولكنى لست على استعداد لأن أكون مندوبه الخاص للحصول على التعميرة فى نيويورك.

قلت له: أنت فنان ومعروف، ومن المؤكد أن الكثيرين غيرى فى هذه المدينة يتمنون أن يحيطوك برعايتهم وخدماتهم.. هذا غير أنك كنت ملازماً لنا بالأمس خطوة بخطوة، وضرورى أنك عرفت على الأقل الطريق إلى عاطف إذا لم تكن قد عرفت طريق الملعون نفسه.

رد فى أسى: لست بالنصاحة التى تظنها.. أنا تور الله فى برسيمه، وشوارع نيويورك غير مألوفة بالنسبة لى.

عندما لمس ترددى رجانى بشدة قائلاً: وحياة أغلى حاجة عندك. ظللت صامتاً لا أعرف ماذا أقول بعد أن بدا لى ضعيفاً على نحو غير متوقع.

لانت مقاومتى لأننى فى الحقيقة خشيت أن يصل فى التذلل والرجاء لحدود مهينة لا أرضاها له، فقمت واغتسلت بسرعة وذهبت إليه فى الفندق.

اضطررت لاصطحابه إلى الملعون مرة ثانية ووقفت بعيداً تاركاً إياه يذهب بنفسه. بعد قليل عاد وعلى وجهه أمارات الظفر.

فى طريق العودة أخبرنى بأن هذا الرجل المكسيكى النبيل- على حد وصفه- لا يمكن أن يكون ملعوناً، بل يجدر بزبائنه العارفين لقدره أن يسمّوه «المبروك»، وقال لى إنه يفكر فى المستقبل فى تقديم عمل فنى يتناول سيرة الرجل وقصة كفاحه!.

مما يؤسف له أن الفنان المحبوب لم يُكتب له أن يقدم قصة حياة الملعون فى عمل فنى، ذلك أن خبر وفاته المفاجئ فى مصر قد وضع نهاية لأحلامه.. ولا أبرئ أبداً «الهوا» من مسؤولية قتله.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق