لون الدولة الباهت

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

هذه الخلطة السحرية المفخخة المفعمة بالتدليس والغارقة فى التدبيس لا طائل من ورائها إلا التسويف وتأجيل المواجهة. «إسلامية بس مش أوى»، أو «مدنية بس رامية على إسلامية»، «تحترم القانون وتحتكم إلى الدستور بس علينا أن نتذكر دائماً أن الأغلبية مسلمة». مبدأ Sometimes yes but maybe no لا يُقِيم أمماً أو يبنى حضارات أو يضمن أى تقدم. فإما الدولة مدنية تحترم وتحافظ على وترعى كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين.. إلخ، أو تعلن أنها دولة ذات أغلبية تنتمى لنوع بعينه، ومن ثمَّ تعتبر هذا اللون بعينه مفضلاً أو مفخماً أو مرفهاً على بقية الألوان.

لون الدولة المصرية الحالية باهت. فلا هى بالمدنية، ولا هى بالدينية. وهذا أصعب الألوان. ولأن قرون استشعار الهسهس ستنتفض غاضبة مصوبة اتهاماتها سابقة التجهيز من أن الغرض من هذه السطور هو هدم الإسلام ومحاربة المسلمين ومعاداة الشريعة إلى آخر القائمة المعروفة، أقول إن الغرض من هذه السطور معرفة لون الدولة. فإن كانت دينية فلنتوقف عن وجع القلب الفكرى وصداع الرأس الذهنى ويحاول المتضررون التعايش فى كنف إحدى الثيوقراطيات القليلة المتبقية فى القرن الـ21. وإن كانت الدولة مدنية، فنكمل محاولاتنا لتنقية ما علق بالمدنية من تديين وتفريق بين المواطنين وبعضهم على أساس تديينى ولا أقول «دينى». وبمعنى آخر، فقد بات لدينا المواطن الإسلامى، والمسلم بأنواعه، والمسيحى بأنواعه، بالإضافة لآخرين لو ذكرنا سيرتهم من الأصل لا نستبعد أبداً إقامة الحد عليهم من قبل الشرطة المجتمعية.

فمن شرطة يعانى المصريون ضبابية دورها فى تطبيق النظام وتفعيل القوانين على أرض الواقع تنتفض فجأة لتتحول جماعة أمر بالمعروف ونهى عن المنكر (كل بحسب تقييمه للمعروف ومفهومه عن المنكر، مثل القبض على من يفطر فى نهار رمضان مثلاً)، إلى معلم يقرأ درساً عن محاسن الأسرة الصغيرة، ثم يحذر التلاميذ من مغبة تنظيم الأسرة لأنها حرام، إلى محطات مترو أنفاق ذات ماكينات تذاكر معطلة وأفراد أمن ساهين عن مراقبة شاشات الأجهزة الكاشفة عن المواد الخطرة وعشوائية سير الركاب فى كل الاتجاهات فى أوقات الذروة، لكن ما أن يؤذن للصلاة حتى يهرع الموظفون والأمن وشرطة المترو للصلاة فى الزوايا المقامة فى حرم المحطات، إلى كشك الفتوى الشهير الذى مازال البعض يدافع عن كينونته العجيبة الغريبة المريبة - تتداخل مدنية الدولة مع ثيوقراطيتها تداخلاً واضحاً لا ريب فيه.

ولأننا فى مصر اعتدنا مظاهر الحياة «كده وكده»، وأشكال التعليم «كده وكده»، ومظاهر التدين «كده وكده»، وظواهر الدولة المدنية «كده وكده»، فقد بتنا نعتقد أننا نعيش تحت مظلة دولة واضحة المعالم. وكان من محاسن – وفى أقوال أخرى مساوئ، وفى ثالثة أميل إليها أعراض - ثورة يناير الجانبية أنها أيقظتنا على حقيقة أننا لا حصَّلنا دولة مدنية ولا بلورنا الدولة الدينية. فإن صدر قرار من شأنه أن يعامل الجميع معاملة ترتكز على أساس المواطنة الكاملة مثل الحق فى بناء الكنائس كما هو الحق فى بناء المساجد (ناهيك عن بناء زاوية على حرم الرصيف وفى كنف المترو وفى طرقات المصالح الحكومية) تهب هبَّة المؤمنين بأننا دولة ذات أغلبية مسلمة ولا يصح فتح أبواب بناء الكنائس على مصاريعها. ويتفتق ذهن أحدهم عن بناء كشك فتوى على رصيف المترو ويمعن فى التفتيق فيبيع لنا الفكرة باعتبارها شكلاً من أشكال تحديث الخطاب الدينى، وبدلاً من أن نعلن انتحار المنطق ونكتب مرثية الدولة المدنية، يخرجون علينا ليعلنوا أن الكشك نجح نجاحاً مبهراً ورسخ الطريق نحو مصر الحديثة.

مصر الحديثة - التى اعتنقت ثقافات غير مصرية على مدار عقود ماضية وتتشبث بها حالياً، رغم أن أصحابها الأصليين أنفسهم يتخلون عنها ويمضون قدماً فى طريق اللحاق بالقرن الـ21 - غير واضحة المعالم، وستبقى هكذا مادامت المؤسسات الدينية الرسمية تصر على رفض ونبذ ومعاداة المطلب الشرعى والحتمى بتحديث الخطاب الدينى. فأى خطاب دينى هذا الذى يترك الأجيال الصغيرة التى ستتسلم البلاد بما ومن فيها نهباً للبعض من المعلمين الذين يقرأون عليهم ما ورد فى كتاب القراءة وما جاء فى منهج العلوم وما ورد فى مادة الدراسات الاجتماعية، ثم يزرعون فيهم الفوقية الدينية، وتحريم الحلال، ودونية الإناث؟ وأى خطاب دينى هذا الذى نتمسك بتلابيبه وهو يتمحور حول فتاوى النكاح والمضاجعة ولا يرتفع عن الإجابة على أسئلة سقيمة عقيمة من نوعية «ما حكم السلام على جارى غير المسلم؟»، «وهل يجوز أن تتولى امرأة منصباً قيادياً؟»، و«هل يتحتم علىَّ إخبار زوجتى الأولى أننى سأتزوج غيرها؟».

يمكننا أن نكتب معلقات ونؤلف مراجع عن كون مصر دولة مدنية حديثة. وليس هناك أسهل من اللت والعجن والتجويد والتكرار بأن الدين لله والوطن للجميع. ولدينا بدلاً من المخزون ألف عن العقد الاجتماعى وطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المواطن والحكومة، وبين المواطنين وبعضهم البعض، وكيف أن القانون وحده يحكم الحقوق والواجبات. لكن واقع الحال يشير إلى أننا دولة خلطبيطة. فهى مدنية على الورق، دينية فى التطبيق، غير واضحة المعالم فى كليهما.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق