فى ذكرى «دموية ماسبيرو»

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بين عشية وضحاها وقعت كارثة كانت الأعنف فى الأحداث الدامية لثورة ٢٥ يناير، والأكثر ضراوة فى تاريخ الأقباط المعاصر، وهى حادثة ماسبيرو التى وقعت فى ٩ أكتوبر ٢٠١١، وتحل ذكراها السادسة اليوم. ومازالت دماء ضحاياها تطالب بالقصاص، وقد راح ضحيتها ٢٧ شابا فى دقائق معدودة دهسا بالمدرعات أو برصاص جناة مجهولين أو معلومين، ولكن ليست هذه هى القضية الآن، نظرا لحساسية الموقف ولعدم وجود تحقيق نزيه يتعلق بالحادث وملابساته والمسؤول عنه، مثله مثل معظم قضايا أحداث ثورة يناير.

ولكن ما أطلبه منك أيها القارئ، إذا أردت أن تعرف من الجانى فعليك أن تذهب إلى المقبرة الجماعية للشهداء بكنيسة الملاك ميخائيل بمدينة ٦ أكتوبر، وتأمل اللوحة الرخامية المدون عليها قائمة أسماء الشهداء جيدا وادع لهم بالرحمة وسوف تعلم مِن المكتوب مَن هو الجانى.

لا أتناول القضية الآن كجهة تحقيق وإنما كشاهد عاصر الواقعة وخسر أحد أقرب الأصدقاء له، ولولا القدر لكنت ضمن الضحايا. بل أتناول القضية من منظور إنسانى للتذكير فقط بما حدث يومها حين غسلت دماء مصريين أسفلت ماسبيرو وسالت فى النيل.

ومما أذكره جيدا أننى فى تمام الساعة 11 صباح يوم الحادث تلقيت اتصالا من صديقى الشهيد مايكل مسعد، يسألنى عن مشاركتى فى المظاهرة، وأنه متحمس للذهاب مع خطيبته فيفيان وأكدت عليه المشاركة ولقاءه الساعة ٤ مساء فى دوران شبرا (مقر تجمع المظاهرة والمقرر توجهه إلى ماسبيرو) واتفقنا إذا لم أتحرك معهم فسألحق بهم فى ماسبيرو بين الساعة ٥ أو ٦ مساء.

وفى تمام الساعة الثالثة عصرا هاتفنى صديقى الشريف منجود رئيس رابطة الخان الثقافية يريد أن نتقابل لإطلاعى على مجلة الخان والوقوف على رأيى بحكم عملى فى الثقافة بالصحافة. رفضت فى بادئ الأمر لانشغالى بالمشاركة فى المظاهرة، لكن كان لديه إصرار غير طبيعى واتفقنا أن نلتقى فى نقابة الصحفيين الساعة ٥ مساء على أن أتحرك من النقابة إلى ماسبيرو، بعد لقائنا ودون أن نشعر غافلنا الوقت، وفجأة نما إلى سمعنا نبأ الكارثة إثر حدوث اشتباكات ووقوع مصابين وشهداء فى المظاهرة، وكان الخبر كالصاعقة.

وتسارعت وتيرة الاتصالات المحمومة بين الأصدقاء وقد استبد بهم القلق للاطمئنان علىّ وعلى الجميع، إلى أن تلقيت مكالمة تفيد بأن صديقى مايكل استشهد دهسا بإحدى المدرعات، فقررت الذهاب إلى مكان الحادث ولكننى لم أستطع الوصول إلى المكان الذى أصبح ساحة للكر والفر والصدام والصراخ والعويل والأشلاء والدماء المنهمرة فى كل مكان، وتم وضع كردون أمنى يمنع أى شخص من الانضمام للموجودين هناك.

وأجبرنى صديقى المسلم «الشريف» الذى لم يتركنى خوفا أن يلحق بى أى أذى أو أتعرض لاعتداء من أى شخص، خاصة بعد أن ازداد الوضع سوءا بسبب دعوى التحريض العلنى للمذيعة رشا مجدى التى تعمل حتى الآن فى ماسبيرو والتى قالت «اتقوا الله فى مصر.. مقتل ثلاثة جنود من الجيش وإصابة 30 آخرين من جراء إطلاق المتظاهرين الأقباط النار عليهم».

مضايقات واشتباكات بين الأهالى التى نزلت تنقذ جيشها وبين المصابين العائدين من المظاهرة، ومترو أغلق أبواب محطاته (السادات وعبد الناصر) مما زاد الأمر سوءا وصار من الصعب أمام أى قبطى الفرار من الفخاخ المنصوبة من البلطجية المأجورين، إلى أن انتهى الأمر بانضمام مجموعة أخرى لنا خائفة مِن الموت بالوصول إلى محطة مترو محمد نجيب والتى تبعد عن الحادث حوالى ٢ كيلو متر.

لم تنته الكارثة أو المأساة عند هذا الحد، بل امتدت للاعتداء على المصابين فى المستشفى القبطى ثم التربص ليلا فى اليوم التالى للاعتداء على المشاركين فى العزاء، وكاد أحد البلطجية أن يحرق التاكسى العائد به الساعة الواحدة صباحا من الجنازة بالمولوتوف من أعلى كوبرى غمرة الذى اعتلاه البلطجية فى استقبال جميع العائدين من صلاة الجنازة بالكاتدرائية المرقسية.

هذا المشهد المأساوى وتلك الكارثة سيظلان محفورين فى وجداننا ولن يمحوهما الزمن من ذاكرتنا. ولا أملك إلا أن أقول رحم الله شهداء الوطن الذين ماتوا فداءه وليس فى سبيل تحقيق مآرب من أى نوع كانت.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق