البندول

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

هذا مقال عن أحلامِ هذا الوطن قبل أوجاعه.. وعن طُموحِه قبل شكواه.. عن واقعنا القائم بكل رماديته وعن أملٍ فى قادمٍ أرفق وأعدل..

ليس فيه تهويمات فلاسفة ولا مُفَارَقة لأرض المعاناة.. بل يحاول أن يرصد «لماذا» وكأننا نختار طواعية أن نسير على شوك المعاناة بلا أمل فى راحة أو نجاة..!

هل تَعرِفُون بندول الساعة؟!

هل رأيتموه يتحرك ذهاباً وجِيئة.. تلك الحركة المتئدة الهادئة بين طَرَفَين مُختَلِفَين؟!

هل رأيتم فيه نَبضات الزمن والتى هى أشبه بنبضات قلب البشر حتى قال قائلهم فى ربط نبض البشر بنبض الزمن.. دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان..

إذا توقف البندول عن حركته الوئيدة بين المُختَلِفَين.. كان إشعاراً بموات.. وإذا تَطَرَّفَت حركة البندول فأصبحت بين طَرَفيَن بعيدين تَسارعت حركته حتى انكسر وكأنه إشعار بانتحار..!

كذلك حياة الأوطان لا تكون إلا باختلاف هادئ بين روايتين ورؤيتين.. تُقارب كل منهما الحقيقة ولا تَدَّعِيها..

حياةُ الأممِ لا تكون إلا بحركة متئدة هادئة واصلة بين مختلفين ذهاباً وجيئة.. فإذا تَصَور واهمُ أن تثبيت حركة بندول المجتمع هى حقيقة الاستقرار.. قَتَل المجتمع..!

وإذا أرادَ واهمُ أن يجذب فكر المجتمع وفعله نحو طرف بعيد يراه هو الحقيقة فى دين أو فى وطن أو فى ثورة.. كان ذلك توطئة وإيذاناً لميلاد واهمٍ جديد يسعى إلى جذب المجتمع نحو طرفه الآخر البعيد.. وبين الواهِمَيَِّن استُنزِفَ المُجتَمعَ وتَفَتّت وتَبَدد..!

والتَطَرُّف ليس بالمعنى المُقَولَب الساذَج الذى صَكَّه الإعلام.. فليس التَطَرُّفُ حِكراً على خوارج الدين قديماً وحديثاً.. وليس التَطَرُّفُ وقفاً على معتنقى دعاوى العنصرية فى شرق أو فى غرب.. وليس التَطَرُّفُ من حظ مناهضى الفطرة وحدهم.. إنما التَطَرُّفُ هو فى اغتصاب حقوق بشرِ كَفَلَها لها خالقهم بِوهمِ الوصاية عليهم.. والتَطَرُّفُ هو فى تَوَهُمِ مِلكية الحقيقة وادعاء الكمال فى شأن دين أو وطن..

التَطَرُّفُ فى أن يظن بشر لِنَفسِه ما ليس له.. وفى نَفسِه ما ليس فيه.. بدعاوى الاصطفاء والخيرية عن سائر البشر.. رأينا ذلك فى جماعات ومؤسسات وشخوص ونُظُمٍ وتنظيمات.. تحمل أسماء وأوصاف الاستبداد والاحتلال والفاشية.

كما البندول.. لم ولن يقابل تَطَرُف إلا تطرفُ أشد..

فكل تَطَرُف سلطة سيقابله تَطَرُّف رعية..

وكل تَطَرُف حاكم سيقابله تَطَرُّف محكوم..

التَطَرُّفُ فى تنميط العقول بدعوى توحيد وجهتها.. يقابله تَطَرُف فى الجهالة والاستسلام لكل فاسد..

التَطَرُّفُ فى التعالى على حق البشر فى الحرية والعدل والكرامة.. يقابله تَطَرُف فى التدنى والتفريط والإفساد..

التَطَرُّف فى التَعمِيَة يقابله تَطَرُّف فى التَرَبُصِ..

التَطَرُّف فى ادعاء القدرة يقابله تَطَرُّف فى التطلع إلى الإنجاز..

التَطَرُّف فى ادعاء الملائكية يقابله تَطَرُّف فى الاحتساب على الاستقامة..!

المجتمع المُتَطَرِّف مُجتمع مُستَريب مُحتَقن خائف..

كيف لمِجتَمعٍ مسؤولوه- كَبُرَت أو صَغُرَت مسؤولياتهم- يَهرُبون لِلأمام.. يُؤمِّنُون مواقعهم وهم يرواغون المحاسبة.. أن يَجِدَ من يَعُولُه..؟!

وكيف لمِجتَمعٍ عقوله مُستَنزفه فى تجنب الجباية والملاحقة والتفتيش فى النوايا أن يَجِدَ نتاج عقول يُقِيلَه من عَثرَتِه..؟!

وكيف لمِجتَمعٍ جَسَدُه المُنتِج مريض بالجهل متحايل على كل سلطة آملاً أن يَنجو بِيَومِه.. لا يَعىِ للإنتاج قيمة ولا هدفا.. أن يحيا صراع ترقى..؟!

آن لنا أن نترك بندول الاختلاف فى مجتمعنا لحركته الوئيدة بين مُختَلِفَين وأن يَكُفَّ كل مُتَطَرِّف- ابتلينا به- ضلالاته عن وطننا..

وطننا صار يَقتُلُ الأيامَ بالأيامِ.. أترُكوه وأيامَه عَلَّه يَحيا ويُحييها..

فكِّرُوا تَصِحِّوا..

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق