سأموت مثل فوزى.. ولن أعيش كعبدالوهاب!

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يدخل حياتك أشخاص ويخرج منها آخرون ولا تدرى لذلك سبباً.. تحب فلاناً وتتجنب علاناً وربما يكون الخطأ منك لكن هكذا تجرى الأمور.. صغيراً نشأت مرتبطاً بأبى.. أعشق ما يهوى.. وأنفر مما يتجنبه.. سألته مرة: لماذا تحب المطرب محمد فوزى؟، أجابنى: مختلف ومظلوم.. كانت هذه طريقته فى الإجابة عن تساؤلات المراهقة اللحوحة..

لا يسهب ليترك عقلى يبحث عن المعلومة.. نضجت وأدركت أن فوزى عبقرى موسيقى ولا يعلم كثيرون أنه «أستاذ» بليغ حمدى وقدمه لأم كلثوم ليلحن لها وهو دون الثلاثين.. ففى الوقت الذى تهافت الملحنون على كوكب الشرق لتقدم عملا لهم، كانت هى تطارد فوزى ليتعاون معها.. وأذكر أن شقيقته هدى سلطان قالت لى فى مقابلة بتشيكوسلوفاكيا، حيث كانت تعالج من السمنة وآلام العظام «كان يحترم موهبتها النادرة.. ويخشى تسلطها وسخريتها من الجميع، من ثم جعل بينهما مسافة».. دائماً أتذكر ما قاله أبى عن تعرضه للظلم.

ففى كل الفترات العصيبة التى مرت علىّ كصحفى اقترب من مبارك ولم يستطع التأقلم على المستجدات، أستعيد ما حدث لفوزى وأقول إن كل معاناتى لا تقارن بما تحمله هذا العملاق الذى ضاع منه كل شىء فى لحظة.. فقد ثروته ومصنعه وسيارته ولم يجد نفقات علاج مرض خبيث نهشه ولم يمد أحد يده إليه عارضاً المساعدة لا من الأصوات التى قدمها أو معاصريه المعروف عنهم بخلهم الشديد ابتداء من عبدالوهاب وانتهاء بعبدالحليم حافظ وأم كلثوم وغيرهم.

هناك واقعة معينة تربطنى ذهنياً وعاطفياً بفوزى رحمة الله عليه.. فى 1958 لحن النشيد الوطنى الجزائرى ووجد أن «الأسطوانة» مصنوعة فى فرنسا قرر كسر الاحتكار الأجنبى وإنشاء أول مصنع فى الشرق الأوسط لإنتاج الأسطوانات بالاشتراك مع زوجته آنذاك مديحة يسرى.. فى هذا المصنع تم تسجيل أغانى معظم أفلامه والأفلام الأخرى بأصوات مطربين ومطربات بعضها بألحانه ومعظمها لغيره.. ظهرت «مصر فون» التى تحول اسمها إلى كايرو فون، ثم صوت القاهرة فى نفس وقت ظهور شركة «صوت الفن» لعبدالوهاب وعبدالحليم.. لكن مصنع فوزى بادر بتقديم «أسطوانة» بوجهين، بعد أن كانت بوجه واحد ولا يمكن كسرها إذا ما سقطت على الأرض بعكس المستوردة، بالإضافة إلى أنه وفر العملة الصعبة لبلده التى كانت فى مرحلة تأسيس جيش حديث وبنية صناعية، كما أنه أول من اقترح حق الأداء العلنى للمطرب، بعد أن كان مخصصاً للمؤلف والملحن فقط.

استيقظ فوزى ذات يوم فى يوليو 1961 وذهب لشركته فوجد ضابطاً يجلس على مكتبه واضعاً ساقيه فوق المكتب وأخبره بأنه تم تأميم الشركة والمصنع وسيتم صرف راتب شهرى له لفترة.. وخصصوا له مكتباً فى آخر الممر عبارة عن 2 متر × 1،5 متر، حيث اعتاد عامل البوفية تقديم الشاى والقهوة بجوار دورة المياه وألقوا بصورته التى تزين المدخل فى الحمام!!. دخل «العبقرى» نوبة اكتئاب حاد عندما لم يعبأ ثوار يوليو بوطنيته وما قدمه للبلد ورغبته فى دعم الاقتصاد الوطنى.. وما زاد من ألمه أن «صوت الفن» المملوكة للعندليب وموسيقار الأجيال لم يمسسها سوء! لماذا؟

فوزى لم يكن معادياً لناصر أو الثورة، لكنه لم يكن مطبلاً أو مداهناً.. عبدالوهاب غنى للسطان حسين كامل والملك فؤاد وابنه فاروق وعبدالناصر والسادات ومبارك.. التأميم لم يقترب ممن غنوا «ردينا عليك يا جمال.. وأيدينا فى إيديك يا جمال وطلعنا معاك».. «وأسمر فى جبينه هلال.. اسمه عارفاه الدنيا».. «وصورة» «وعلى رأس بستان الاشتراكية»..

نهايته نصح فوزى بعض أحبائه أن يقدم أغانى وطنية للزعيم فربما يرفعون التأميم.. جاءته الفرصة فى حفل يوليو 1963 بنادى ضباط الزمالك ووقف يغنى «بلدى أحببتك يا بلدى.. حباً فى الله وللأبد».. لم يغن كالآخرين.. ونزل من على المسرح دون إشارة واحدة للقائد الملهم.

مرض بسرطان العظام وانخفض وزنه لـ40 كجم.. مفلس.. مريض.. طالب شرفاء الدولة بالتدخل لعلاجه.. لكن لأنه ليس من «المحاسيب» تأخر قرار العلاج وصدر بعد فوات الأوان عندما صعدت روحه إلى بارئها.. المهم جاءت النكسة ولم يجدوا أغنية يذيعونها عام 1967 لأن كل الأغانى بها اسم «جمال».. وأنقذتهم أغنية فوزى «بلدى أحببتك يا بلدى» عرفها الناس بعد وفاته وأدركوا أن الوطنية ليست بأشخاص ولا قصائد أو شعراء.. الوطنية إحساس.

وقد تعرضت لبعض الظلم الذى يتشابه مع الذى حاق بفوزى رحمه الله.. فبعد 25 يناير جاءنا رئيس مجلس إدارة لم يكتب فى حياته خبراً أو مقالاً وكان حاملا حقائب لعائلة مبارك ولرئيس مجلس الشورى عند سفرهم لأوروبا.. كنت قدمت استقالتى بعد التنحى يوم 15 فبراير لأنى قرأت المشهد وفوجئت بهذا «المتلون» فى 30 مارس 2011 يهبط علينا بالبراشوت.. المهم ركب الموجة.. كان أول قراراته سحب التأمين الطبى الخاص بى بمستشفى وادى النيل، رغم إصابتى بأزمة قلبية شديدة.. وزعم أنه ليس لى قرار من مجلس الشورى بالتجديد ومنع مرتبى، مستغلاً حريق مبنى الحزب الوطنى، حيث مقر المجلس الأعلى للصحافة القديم لولا أن أرسل د. عصام فرج له صورة من الخطاب.. أمر بسحب السيارة الخاصة لى إرضاء للثوار.. واتفق مع رئيس التحرير الراحل أن تقتصر إسهاماتى على مقال أسبوعى يتم حذف نصفه بدعوى التوازن.. المهم حاولت مقابلة رئيس التحرير لأخذ كتبى الكثيرة من المكتب فاستقبلنى رحمه الله واقفاً ووافق.. وأرسلها لى فى ثلاث «كراتين» وضعوها فى غرفة «السعاة».. ثم أصدر قراراً بشطب أرشيف مقالاتى من «موقع» الصحيفة الإلكترونى.. المهم أرسلت له خطاباً برفض العمل والاعتذار عن المرتب فالكرامة لا تباع أو تشترى.. وظهر خبر فى الصحف بتعليمات الزميل بأنه تم منعى من العمل فى ذكرى الثورة المباركة لأنى انتقدتها فقررت الجريدة تقديم عربون محبه للثوار.. ثم قامت ثورة 30 يونيو.

وتحول الذين أشادوا بالإخوان إلى خصوم أشداء لهم.. وتكرر ما حدث لمحمد فوزى، بعد رحيله وإذاعة أغنيته بعد النكسة.. بحثوا عن مواد ومقالات يهاجمون بها الإخوان الذين مدحوهم من قبل.. وللأسف لجأوا للأرشيف الورقى المجلد لإعداد الجمهورية من 2005 إلى 2011.. وقرأت قصصاً وأخباراً ومقالات وأحداثاً كنت منفردا بها بأقلام زملاء آخرين.. وهكذا الدنيا.. تطأ الثابتون وتحتفى بالمتحولين.. زملائى الأذكى منى تعايشوا.. عاش الملك مات الملك.. مبدأ خالد فى العالم كله.. لكن ليس كل المبادئ تصلح لكل الناس.

وفى هذا قول مأثور للموسيقار الراحل عبدالوهاب عندما سألوه عن الاقتباس فى أغانيه وموسيقاه فقال «الموسيقى مثل الرياح.. تهب باردة أو ساخنة أو ممطرة، وأنا أعيش فى أى طقس وأستفيد منه قدر استطاعتى..» وأكد رحمة الله عليه فى حديث لطارق حبيب المذيع المشهور أن اقتباس مذهب أو مذهبين من موسيقى أجنبية أو عالمية ليس سرقة ولكنه «تطعيم» مثل النباتات أو «تهجين» مثلما يحدث فى السلالات «الزراعية والحيوانية».. لذلك حصل عبدالوهاب على كل التكريمات فى حياته.. لواء ودكتور ونائب وجوائز الدولة وقلادة النيل وفنان الشعب.. ووصل به الذكاء إلى أن يجلس مع السادات ليسمعه تعديلات النشيد الوطنى التى أجراها ويسأله إن كان يفضلها بالسرعة البطيئة أم السريعة.. رأيى الشخصى أن بليغ حمدى البوهيمى المتصعلك هو عبقرى الأغانى الوطنية وشلال الألحان العاطفية.. ومع ذلك انتهت حياته بمأساة سميرة مليان التى تردد أن وراءها عبدالوهاب.

إنها مقدرة وموهبة أن تتكيف مع كل عصر وتلبى مطالبه وتعرف بوصلته وتتحرك بتوجيهاته.. وأذكر هنا أحد الصحفيين الكبار الذى تضخمت ثروته فى عهد مبارك وكان قريباً منه جداً لمدة 30 عاماً وعندما جاء مرسى صلى وراءه بالاتحادية كى يظل يكتب عموده اليومى.. لكن لله تصاريف أخرى.. لذلك سأموت مثل محمد فوزى ولا أستطيع العيش كمحمد عبدالوهاب وغيره.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق