أكتوبر 73: انتصار للعقل السياسى المصرى

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

حرب تحرير الأرض المصرية التى احتُلت فى يونيو 1967 كانت تُمثل معضلة حقيقية للقيادة السياسية والعسكرية. المعضلةُ ببساطة هى: كيف نخوض حرباً فى مواجهة خصم متفوقٍ عسكرياً بصورة حاسمة؟ هذا التفوق العسكرى حتّم التفكير فى «مفهوم» معين لخوض المعركة. الاتفاق على أهداف محددة. التوافق حول فلسفة جامعة ومتفق عليها للعمل المُسلح.

ليس الأمرُ بالبساطة التى يبدو عليها. نحن الآن، وبعد عقودٍ على الحرب، لدينا رفاهية تأمل الحدث من مسافة بعيدة. لم يكن هذا هو حال مَن وجدوا أنفسهم فى مأزق الأرض المحتلة والقنوط الرهيب، الذى خيّم على المجتمع، فأوشك أن يتمكن منه. صعبٌ علينا أن نتمثل على نحو دقيق خطورة المأزق القاتل، الذى وجد المصريون أنفسهم فيه خلال السنوات التى تلت هزيمة يونيو. لو أننا وضعنا أنفسنا مكانهم، مكان القيادة السياسية والعسكرية، لفكرنا ألف مرة قبل الانخراط فى عملٍ عسكرى تكون نتيجته وبالاً على المجتمع والدولة. هكذا كان يُفكر مثلاً رجلٌ مثل الفريق محمد صادق، وزير الدفاع، القائد العام للقوات المسلحة، من مايو 1971 حتى أكتوبر 1972. كانت عقيدته العسكرية أن الجيش غير قادر على خوض المعركة، وأنه يحتاج فترة إعداد طويلة، وأن الدفع بالجيش إلى الحرب قبل الأوان نتيجته كارثية.

الفكرة المضادة تبناها عددٌ من العسكريين، مثل الفريق أحمد إسماعيل، القائد العام، والفريق الشاذلى، رئيس الأركان. جوهرها أنه يُمكن للجيش خوض حربٍ محدودة، حتى فى ظل التفوق العسكرى الإسرائيلى، خاصة فى سلاح الجو. الشخص الوحيد الذى حسم الأمر لصالح هذه الفكرة الأخيرة كان الرئيس السادات.

غير أن حسم الأمر بهذه الصورة لم يكن سهلاً على الإطلاق. ذكرى 67 كانت حيةً فى الأذهان. الهزيمة استحالت قيداً هائلاً على التفكير الجرىء. الخروج من «ذهنية 67» كان عملاً ينطوى على شجاعة كبيرة، سياسياً وعسكرياً. إذا أردنا أن ننسب الفضل لأهله، فإن السادات- فى واقع الأمر- هو صاحبُ النصيب الأكبر فى صياغة «فلسفة معركة التحرير».

تأمل مثلاً ما دار فى الاجتماع الذى عقده السادات مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فى 24 أكتوبر 1972. قال اللواء على عبدالخبير، قائد المنطقة المركزية: «إن الاستهلاك العادى فى أسلحتنا يجعل قوتنا فى تناقص، وليس فى تزايد. إن ضعف قواتنا الجوية مازال كما هو، ألا تكفى هذه العوامل المهمة كلها لكى نفكر جدياً قبل أن نقرر الدخول فى حرب نتحمل فيها خسائر جسيمة؟».

رد الرئيس السادات: «إن المشكلة الآن هى To be or not to be. يجب ألا نُلقى باللوم كله على الروس».

عاود اللواء عبدالخبير الحديث قائلاً: «إذا كنا نقول: نكون أو لا نكون، فإنه يجب علينا أن نعبئ مواردنا وإمكاناتنا كلها للمجهود الحربى كما تفعل الدول الأخرى عندما تقرر دخول الحرب».

رد الرئيس السادات: «إن تعبئة موارد الدولة للمجهود الحربى هو مسؤوليتى وليس مسؤوليتك. الكثير من الناس لا يصدقون أنه ستكون هناك حرب. وإذا بقينا كما نحن الآن فسوف تنهار الجبهة الداخلية. يجب تقبل المخاطرة المحسوبة».

اللواء على عبدالخبير: «المخاطرة المحسوبة؟! لماذا لا نعمل على تلافى المخاطرة؟!».

هذا الاجتماعُ العاصف، الذى أورده الفريق سعد الشاذلى فى مذكراته، يعكس الصعوبة الكبيرة التى اكتنفت التوصل إلى قرار الحرب والاتفاق على فلسفة خوضها. فى آخر هذا الاجتماع، انفجر السادات فى أحد القيادات: «يجب ألا تتدخل فى شىء ليس من اختصاصك. أنت رجلٌ عسكرى، ولستَ رجلاً سياسياً».

ذلك هو جوهر المعضلة. الحرب، أى حرب، هى عمل يجسد قمة التضافر بين المستويين العسكرى والسياسى فى الدولة المعاصرة. التوترُ بين هذين المستويين قائمٌ، حتى فى أعتى الديمقراطيات استقراراً. فى حالة حرب أكتوبر كان هذا التوتر قائماً مُذ بدأ التفكير فى معركة التحرير، واستمر وقت الحرب ذاتها. هو أفضى إلى أخطاءٍ قاتلة، على رأسها تطوير الهجوم يوم 13 أكتوبر، الذى كان مُقدمة لثغرة الدفرسوار الشهيرة. المشكلة ليست فى الخطأ، فهو واردٌ فى زمن الحرب. المشكلة أن منبع الخطأ هو غياب الخطوط الفاصلة والقواعد الحاكمة للعلاقة بين المستويين السياسى والعسكرى فى مصر.

خوض الحرب المحدودة احتاج فلسفة مُعينة، قبل وبعد العمليات العسكرية. من دون ذلك كان عمل العبور المجيد سيظل ناقصاً، بل ربما ضائعاً. الآن، بعد كل ما جرى ويجرى على ساحة الصراع العربى الإسرائيلى، ينظر المرء بإعجاب للطريقة التى صاغ بها هذا الجيل من السياسيين والعسكريين المصريين- بكل نواقصهم البشرية- فلسفة خوض معركة التحرير. هذه الفلسفة، التى ارتكزت على منطلقات عقلانية وواقعية، تظل ركناً جوهرياً فى انتصار أكتوبر.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق