عفاف راضى

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

إذا ذُكرت عفاف راضى ذُكر معها بليغ حمدى فوراً. هذا الملحن العبقرى، الذى تحيَّر الملحنون فى وصفه، وشعر «عبدالوهاب» صَوْبَه بالغيرة، من فرط ما يبهره بجمل لحنية أقل ما يُقال عنها إنها مذهلة. الرجل الذى يُلحِّن وكأنه يتنفس. أعطه كلمات جيدة، وبقوة سحرية مجهولة، لا يستغرق اللحن سوى ساعة، حتى يخرج اللحن مكتملاً.

■ ■ ■

كانت عفاف راضى محظوظة بشكل لا يُصدَّق. نحن الآن فى عام سبعين. مجرد صبية فى السادسة عشرة (هى من مواليد ٥٤). استيقظ بليغ حمدى فجأة، فقال لمن حوله: «أحضروا لى عفاف راضى فوراً. فى ظرف ساعة واحدة تكون عندى».

لم يكن بليغ قد سمع صوتها بعد، ولكنه سمع عنها. هذه الطالبة النجيبة فى الكونسرفتوار، صاحبة الصوت الأوبرالى، التى كثر الحديث عنها. فى تلك اللحظة بالذات كانت عفاف تغنى فى حفلة أوبرا بالجامعة الأمريكية. فوجئت- وهى على المسرح- بمن يجذبها من فوق المنصة، وبمن يدفعها فى تاكسى، إلى حيث ينتظرها الأستاذ.

■ ■ ■

لم تكن قد رأت بليغ من قبل ولا حتى شاهدت صورته. بدا لابنة السادسة عشرة كبيراً وناضجاً. كانت بحاجة إلى سنين كثيرة لتعرف أنه هو الآخر مجرد شاب، تسعة وثلاثون عاماً لا أكثر.

استمع الأستاذ إليها صامتاً. الجواهرجى الحاذق يضع منظاره المكبر ويتأمل الحجر الكريم بدقة. يتعرف إلى طبقات صوتها، ويحسب المساحة الملائمة لصوتها السوبرانو، كيف ينتقى لها اللحن الذى يبرز جمالياته.

■ ■ ■

ومن أين لها أن تعلم- هذه الصبية الغافلة ابنة السادسة عشرة- أن بليغ الذى لحن لأم كلثوم وهو فى الثلاثين، ووصفه عبدالحليم بأنه أمل مصر فى الموسيقى، كان قد ضاق ذرعاً بمشاكسات المطربين المشهورين، ويريد صوتاً خاماً، فتاة غريرة صغيرة، يتبنى صوتها ويدربها ويحملها ألحانه، يعلو بنجمها كى يليق بنجمه.

لحظتها وُلدت أعظم أغانيها «ردوا السلام». هذه الأغنية التى ستظل إلى الأبد أغنيتها المفضلة لما تحمل لها من ذكريات سعيدة. ابنة السابعة عشرة، عام ١٩٧١بالضبط، يصطحبها بليغ حمدى لترفع الأغنية إلى مقام الشعب المصرى، وأين؟ فى حفل عبدالحليم حافظ شخصياً، ليس هذا فحسب، بل يقود الأوركسترا بنفسه!

■ ■ ■

هكذا كان الكبار يأخذون بأيدى الصغار حتى يصبحوا كباراً هم الآخرون. وعفاف راضى وُلدت نجمة منذ أول لحظة. ومن أين لها أن تعلم أن صوتها البديع قد استوقف جمال عبدالناصر شخصياً، وبدون أن تعلم طلب من الإذاعة المصرية أن تذيع أغانيها، مستبشراً أنها الصوت الجديد القادم الذى سوف يحمل مشروعه القومى. لم تكن تعلم، ولم يكن هو الآخر يعلم أنه سيفارق الحياة بعد شهور، وأن بليغ- دون أن يدرى بالأمر- سوف يحتضنها.

■ ■ ■

استمرت حقبة بليغ حمدى معها حتى عام ١٩٧٥، أهدى خلالها الفن العربى ما لا يقل عن عشر أغانٍ من أروع جواهر الفن المصرى. بعدها تعاونت مع الموجى والشريعى وفؤاد عبدالمجيد والرحابنة. هذا يفسر أحوالها طيلة السنوات الماضية. هذا الزهد وعدم الاكتراث بالأضواء والهدوء النفسى! إذ حين يُلحِّن لها بليغ حمدى وهى فى السادسة عشرة، فأى قمة أخرى يمكن أن تطمح إليها؟

■ ■ ■

عفاف راضى آخر نقطة عطر فى قارورة الفن الجميل، والوتر المشدود حتى آخر نقطة فى السماء، والذى عزف عليه بليغ حمدى أروع ألحانه، فأهدانا قطعاً من الفن الرفيع المدهش. أسعدكِ الله يا عفاف بقدر ما أسعدتِنا.

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق