قراءة في كتاب: مدار الفوضى.. تغير المناخ والجغرافيا الجديدة للعنف

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

رغم أن عنوان كتاب “مدار الفوضى تغير المناخ والجغرافيا الجديدة للعنف” لا يُشير بشكل مباشر إلى الأزمات الاقتصادية ونتائج سياسات الليبرالية الجديدة المدمرة على كثير من دول العالم، لكن محتوى الكتاب يركز على ربط تغير المناخ بالتحديات الاقتصادية والصراع الاجتماعي والعنف السياسي، محذرًا من انفجار واسع للعنف والحروب والمجاعات والبطالة وموجات الهجرة الجماعية نتيجة التغيرات المناخية وما يصاحبها من ندرة المياه وتصحر الأراضي الزراعية.

وفي ظل ما تعانيه مصر في العقود الثلاثة الماضية من أزمات اجتماعية كبيرة نتيجة مجموعة عوامل من أبرزها: الفساد والسياسات النيوليبرالية التي زادت حدتها بصورة غير مسبوقة في عامي ٢٠١٦ و ٢٠١٧؛ عبر الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وتحرير سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية؛ مما أفقده أكثر من ٩٠,% من قيمته. إضافة لرفع الدعم عن المحروقات والمياه والكهرباء الخ، فضلًا عن تناقص مياه النيل، فيقدم كتاب “مدار الفوضى” صورة عن قرب لما يمكن أن يكون عليه الوضع في مصر في المستقبل القريب، عبر التجمع الكارثي لثلاثية الفقر والعنف وتغير المناخ.

رؤية إنسانية
طالما كان الحديث عن تغير المناخ وما يصاحبه من أزمات اقتصادية واجتماعية، يعتمد على لغة جافة من الاحصاءات والأرقام المجردة، لكن في كتاب “مدار الفوضى” الصادر في ترجمته العربية عن سلسلة عالم المعرفة، ينطلق الصحفي الأمريكي كريستيان بارينتي، من رؤية إنسانية تعتمد على المعايشة والترحال، وفتح نافذة لسماع أصوات السكان والمزارعين المحليين في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والتعرف عن قرب على معاناتهم والتحديات التي تواجههم.

يبدأ كريستيان كتابه بتتبع قصة مقتل الراعي إيكارو لورومان المنتمي لقبيلة توركانا في كينيا، نتيجة غارة كبيرة شنتها مجموعة مسلحة من قبيلة البوكوت على قطيعه، يوضح الكاتب من خلال هذه القصة مدى الصراع الناتج عن تغير المناخ، فبسبب نقص الأمطار وندرة الأعشاب، زادت حدة الصراع بين القبيلتين، ومع انتشار السلاح بصورة كبيرة؛ نتيجة فشل الدولة، تحولت الأمور إلى ما يشبه الحرب الأهلية.

مشيرًا إلى أن مثل هذه التداعيات الكارثية لا تقتصر على دولة محددة، بل تمتد لعشرات الدول حول العالم، وخاصة تلك الدول الواقعة بين مداري الجدي والسرطان “مدار الفوضى” كما يسميها الكاتب، وهى عبارة عن حزام من دول مستقلة حديثا متأزمة اقتصاديا وسياسيا: “في هذا الشريط بين المدارين بدأ التغير المناخي يضرب بقسوة. تعتمد المجتمعات ضمن هذا الشريط بقوة على الزراعة وصيد الأسماك، وبالتالي فهي مهددة جدا بالانزياحات في أنماط الطقس”.

التجمع الكارثي
يوضح الكاتب أن خطورة التغير تزداد في ظل ما يعانيه العالم من حروب مستمرة وسياسات اقتصادية مدمرة، وتفاوت طبقي ضخم بين الدول والشعوب، ويطلق على هذه الحالة “التجمع الكارثي” حيث الفقر والعنف والتغير المناخي:”يأتي التغير المناخي إلى عالم مهيأ للأزمة.

زرعت بذور الحرب الباردة الاستقرار في دول العالم الثالث، وتركت الحروب العديدة بالوكالة في الدول النامية تراثًا مكونًا من مجموعات مسلحة وأسلحة رخيصة وشبكات تهريب، ودفعت السياسات الاقتصادية لليبرالية الجديدة التي فرضت من قبل صندوق الدولي والبنك الدولي هذه الدول نحو أزمة دائمة، وعدم مساواة شديدة.

تحولت معها الدولة إلى صدفة فارغة خالية من أي قدرة مؤسساتية لتطوير الاقتصاد أو معالجة الأزمات الاجتماعية”.

تشير إحصاءات اللجنة الدولية للتغيرات المناخية “IPCC” إلى أن الاعتماد على حرق الوقود الحفري رفع تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو من نحو 280 جزء في المليون قبل الثورة الصناعية إلى 390 جزء في بداية الألفية الجديدة، نتج عن ذلك “الإخلال بتوازن النظام المناخي، مع ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، تذوب صفائح الجليد في القطب الشمالي بوتيرة متسارعة مما يهدد برفع مستوى سطح البحر والتصحر والعواصف والفيضانات الاستثنائية، يقدر عدد المتضرريين من التغير المناخي بنحو ثلاثمائة مليون من البشر، يموت منهم مئتي ألف كل عام، وبحلول عام 2030 تقدر الكلفة الاقتصادية لهذه الكوارث إلى ستمائة مليار دولار كل عام”.

الليبرالية الجديدة والموت بالقطن
رغم التطور الاقتصادي الكبير الحاصل في الهند في العقود الماضية، إلا أن كل هذه المكاسب تستحوذ عليها فئة قليلة للغاية من السكان، بينما يعاني مئات الملايين من الفقر والجوع ودمار أراضيهم الزراعية نتيجة التغيرات المناخية والسياسات النيوليبرالية في هذا السياق وتحت عنوان “الليبرالية الجديدة والموت بالقطن”، يقول الكاتب :”في عام 1991 بدأت الحكومة الهندية عملية التحرير الاقتصادي، عنت السياسات الليبرالية الجديدة برفع دعم الطاقة عن المزارعين، وبذلك أصبح استخدام المضخات على الآبار والري أغلى، بدأ المزارعون بأخذ قروض من البنوك المحلية أو المرابين، وعندما يفشل المحصول أو تجف الآبار وهو ما أصبح أكثر شيوعًا مع تغير المناخ، لا يستطيع المزارعون تسديد ديونهم”.

نتيجة هذه السياسات تشير بيانات مكتب الجريمة في الهند إلى وقوع أكثر من 150 ألف حالة انتحار بين المزارعين في الفترة من 1997 إلى 2005 نتيجة عجزهم عن تسديد الديون، يوضح الكاتب أن إقليم ” تيلانغانا” جنوب الهند تعرض لجريمة أخرى نتيجة لسياسات الليبرالية الجديدة التي دعمت برنامجًا لزراعة نوع معدل جينيًا من القطن منتج من شركة مونسانتو الزراعية العملاقة؛ مما تسبب في تدمير التربة الزراعية :”في البداية رفع القطن الجديد الانتاج والدخل، لكن المردود هبط بعد عدة سنوات، وتحول القطن الجديد إلى لعنة. تتغلغل جذوره عميقًا في التربة بحيث تمتص المغذيات جميعها، بالإضافة لحاجته لكمية كبيرة من المياه والمبيدات مما تسبب في خسائر كبيرة للمزارعين وتدمير للتربة الزراعية”.

التخفيف والتكيف
يشير الكاتب إلى أن المصطلحين الأكثر تداولًا في النقاش حول المناخ هما التخفيف والتكيف: “أي أن علينا أن نخفف من مسببات التغير المناخي، وأن نتكيف مع تأثيراته. يعني التخفيف تخفيض إنتاجنا بشكل كبير من غاز اُكسيد الكربون والغازات الدفيئة الاُخرى كالميثان والكلوروفوركربون التي تمنع حرارة الشمس من الإرتداد بالاشعاع إلى الفضاء، أو ما يعرف بظاهرة الاحتباس الحراري، بالإضافة للتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الجوفية والطاقة الحركية للمد والجزر، مما يعني إغلاق محطات الطاقة العاملة بالفحم الحجري، وتحويل اقتصادنا من الاعتماد على النفط”.

أما التكيف فيعني التهيؤ للعيش مع التأثيرات الناجمة عن التغير المناخي، التي بدأ بعضها فعلا، بينما سيأتي البعض الآخر حتما، وتعلم العيش مع الضرر الذي جلبناه على أنفسنا، عن طريق بناء جدران صد بحرية حول المدن الساحلية المهددة، وإعادة تهيأة الأرض لنمو أشجار المنغروف والنباتات المائية، وتطوير أشكال مستدامة من الزراعة بحيث تعمل حتى مع تذبذب واسع لأنماط الطقس، و تطوير أساليب جديدة لإحتواء العنف الذي يتغذى على التغير المناخي وتجنبه وتخفيفه، ويتطلب هذا تنمية اقتصادية وإعادة توزيع الثروة، كما يتطلب أيضا دبلوماسية جديدة لبناء السلام.

زورق النجاة المسلح
رغم الخطورة الكبيرة للتجمع الكارثي للفقر والعنف والتغير المناخي على كافة دول العالم، يشير الكاتب إلى أن الدول الكبرى بدلًا من العمل على تبني منظومة سياسات إصلاحية أكثر عدالة ومساواة، تسعى لمواجهة هذه الأخطار عبر ما يطلق عليه الكاتب ” سياسة زورق النجاة المسلح” حيث يجري الاستعداد للتغير المناخي بالتسلح والاستعباد والإهمال والقمع والسيطرة والقتل :” تدرك الحكومات الغربية أخطار تجمع الإضطراب السياسي مع تغير المناخ. وبدلا من القلق حول حروب تقليدية على الغذاء والماء، تخطط وزارة الدفاع الأمريكية مع حلفائها الغربيين لمواجهة المجاعات وموجات تدفق اللاجئين عبر بناء أسوار وحواجز عسكرية”.

ويضيف:” هذا النوع من الفاشية المناخية، وهي سياسة مبنية على الاستعباد والفصل والقمع، سياسة بشعة جدا ومصيرها الفشل. لابد من وجود مسار آخر. لا يمكن للدول المتعبة في عالم الجنوب أن تنهار من دون أن تأخذ الدول الغنية معها. إذا سمح للتغير المناخي أن يحطم اقتصادات ودولا بأكملها، فلا يمكن لاي كمية من الجدران، والمدافع، والأسلاك الشائكة، والطائرات المسلحة بلا طيار، أو إستخدام المرتزفة، أن تنقذ بشكل دائم نصف العالم من نصفه الآخر”.

المصدر البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق