حوار كتالونى مع طفل مصرى

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لم أستطع إقناع ذلك الطفل المصرى البالغ من العمر ١٢ عاماً، حينما وجدته مستنكراً بشدة محاولة انفصال شعب مقاطعة كتالونيا عن إسبانيا الأُم، انزعاج الطفل المصرى هنا لسبب بسيط جداً، وهو أنه لن يشاهد فريق برشلونة يلعب فى الدورى الإسبانى بعد الآن، وبالتالى لن يكون هناك الكلاسيكو مع ريال مدريد، الأكثر من ذلك أنى وجدته يؤكد أن معظم أو أهم لاعبى المنتخب الإسبانى من كتالونيا، وبالتالى أيضاً سوف يخسر المنتخب هناك الكثير من قوته، أو من عناصر تفوقه، هكذا توقفت معلوماته أو اهتماماته بهذه الأزمة عند هذا الحد، إلا أنى وجدته يتساءل عن سبب ما يجرى عموماً؟

قدر الإمكان حاولتُ تبسيط الموضوع، بأن كتالونيا المكونة من ٤ مقاطعات، وعاصمتها برشلونة، وتضم نحو 7.5 مليون نسمة، تأتى ضمن ١٧ إقليما فى إسبانيا يعيش سكانها من خلال الحكم الذاتى، وأن لهم لغة خاصة بهم، هى اللغة الكتالونية، وأن منطقة برشلونة وحدها تنتج ٢٠٪ من الناتج المحلى الإسبانى، وحاولتُ الربط بين استفتاء كتالونيا واستفتاء الأكراد فى شمال العراق تمهيداً للانفصال أيضاً، وكيف أن العالم على مدار التاريخ شهد مثل هذه الأحداث التى أسفرت فى نهاية الأمر عن الانفصال وإقامة دول مستقلة، بعضها كان فى العصر الحديث، من خلال حروب إبادة كما حدث فى يوغوسلافيا السابقة، وبعضها كان بالتفاهم من خلال اتفاقيات، مثلما حدث مع الاتحاد السوفيتى سابقاً. وذكرت كيف أن أكثر من دولة أوروبية سوف تصبح من خلال بعض الأقاليم عرضة فى المستقبل لمثل هذه الممارسات، من إسكتلندا فى إنجلترا، إلى جزيرة كورسيكا فى فرنسا، إلى بندانيا وجنوب تيرول فى إيطاليا، وحتى الإقليم الفلامندى فى بلجيكا، ناهيك عن إقليم الباسك الإسبانى الذى يمكن أن يتمرد من جديد، وجميعها يمكن أن تخضع فى النهاية لمثل تلك الاستفتاءات، على عكس المحاولات التى تجرى فى بلدان العالم الثالث أو النامى، والتى تأخذ طابعاً مختلفاً يتسم بالقوة التى قد تصل إلى مواجهات مسلحة، كما هو الحال فى عدد من الدول العربية، إلا أن الأوضاع فى الغرب فى مجملها عرقية، تُغذيها نعرات وحقائق تاريخية، بينما فى الشرق معظمها طائفية، تغذيها عواصم غربية.

المهم، ظهرت براعة وبراءة الطفولة بكل معانيها لدى الطفل حينما قال: قمت بالبحث فى الخريطة الإسبانية، عن طريق خدمة (جوجل)، واكتشفت أن إقليم كتالونيا صغير المساحة جداً (٣٢ ألف كم مربع) مقارنةً بإسبانيا، لماذا يريدون الانفصال إذن، على الرغم من أن إسبانيا دولة ذات شأن، وكتالونيا سوف تكون دولة صغيرة، يمكن استهدافها أو الطمع فيها مستقبلاً، ويكفى أن فرق كرة القدم لديهم لا ترقى لتنظيم بطولة دورى أو كأس أو ما شابه ذلك؟ من الآخر: لماذا لا يؤمنون أن فى الاتحاد قوة؟ ثم عاد إلى سيرته الأولى أو اهتمامه الأول قائلاً: أخشى أن يتدهور حال فريق برشلونة حينما يلعب خارج إسبانيا سواء فى الدورى الفرنسى الأقرب جغرافياً، أو غيره من دوريات أوروبا، وإذا حدث ذلك فإن هذه فى حد ذاتها خسارة فادحة للدولة الجديدة بسبب الانفصال.

أيضاً حاولتُ توضيح أن نضال شعب كتالونيا نحو الاستقلال ليس وليد اليوم أو الأمس، وإنما هو كفاح طويل امتد لنحو قرن من الزمان، تعرض خلاله المواطنون هناك لأشد أنواع القمع، وقُتِل خلاله مئات الآلاف، وهاجر من الإقليم إلى غير رجعة أيضاً مئات الآلاف، خوفاً من بطش أنظمة متعاقبة، كانت تقف بالمرصاد لمثل هذه المحاولات التى كانت قد أسفرت ذات يوم، وتحديداً عام ١٩٣٤ عن إعلان إقامة دولة كتالونيا، إلا أنها لم تصمد سوى ثلاثة أيام، عادت بعدها للجمهورية الإسبانية حديثة الولادة آنذاك، إلا أن الإقليم احتفظ ومازال بنوع من الحكم الذاتى.

مازال الطفل يختزل قضيته فى عالم الكُرة حينما قال: لكنى حزين على برشلونة ومستقبل الكُرة الإسبانية، أياً كانت المميزات التى سوف يحصل عليها شعب كتالونيا من وراء الاستقلال، ثم كانت التساؤلات المتتالية عن مستقبل اللاعب الأرجنتينى ميسى مع برشلونة، وموقف البرازيلى نيمار إذا ما شارك فريقه السابق بالدورى الفرنسى، وما إذا كنا سنرى منتخباً كتالونياً فى القريب العاجل، وغير ذلك من الأسئلة التى أعتقد أنها تشغل الكثير من أطفال وشباب مجتمعنا الآن، وجمهور الكُرة بصفة عامة.

وجدتُ من الإنصاف للطفل المصرى نشر هذا الحوار للتأكيد على مجموعة حقائق، أولاها أن طفل اليوم أو الألفية الثالثة لم يعد أبداً طفل الماضى أو القرن العشرين، لأسباب تتعلق بالتقدم التكنولوجى الحاصل فى السوشيال ميديا، ومواقع التواصل الاجتماعى تحديداً، والبث المباشر، والآى باد، وثورة الاتصالات عموماً، ثانيتها أن أطفال اليوم وبهذه العقلية لم يجدوا حتى الآن مناهج تعليمية تتوافق مع قدراتهم، ولا مدرسين ومدرسات على المستوى نفسه، ثالثتها أن الأسرة نفسها أصبحت مطالبة بالتعامل مع أطفال اليوم بطريقة مختلفة عما نشأت عليه هى فى العقود الماضية، والأهم من كل ذلك أن هذا الطفل لن يقبل مستقبلاً على المستويات السياسية وما يتعلق بها من حريات وحقوق إنسان وغيرها، بما كانت تقبل به الأجيال السابقة، وهو ما يؤكد أن القادم سوف يكون أفضل شئنا أم أبينا، ولا عزاء حينئذ لكل الديكتاتوريات.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق