هيلينا رايت تكتب: ترامب يهدد بقاء الحياة على الأرض

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

منذ أن أعلن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، فإن العالم بات يتطلع إلى بلدان أخرى لتولى القيادة العالمية بشأن إجراءات تغير المناخ، وقد أعلنت فرنسا، مؤخرًا، أنها تعتزم أن تصبح أول دولة تتخلص، تدريجيًا، من جميع عمليات التنقيب عن النفط والغاز، بحلول عام 2040، وذلك وفقًا لمشروع قانون، ولكن ماذا يعنى هذا الكلام بالنسبة للأسواق والحكومات الأخرى؟ وهل بذلك تدخل فرنسا عهدًا جديدًا من القيادة العالمية بشأن تغير المناخ؟

وبموجب اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، فقد اتفقت البلدان على الحد من درجة الحرارة العالمية، بحيث لا ترتفع لما هو أكثر من درجتين مئويتين، والسعى لأن تكون 1.5 درجة فقط، وذلك على الرغم من أنه من المتوقع حدوث آثار عند ارتفاعها بدرجتين، ولكن على الأقل يمكن لبعض الشعاب المرجانية فى العالم البقاء على قيد الحياة عند هذا المستوى، حيث سيقضى تغير هذه الدرجات على الشعاب المرجانية، التى يعتمد عليها ربع الحياة البحرية فى العالم، ونصف مليار شخص.

وفى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصف الرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون، اتفاقية باريس بشأن المناخ بأنها «اتفاقية بين الأجيال»، وقال لترامب إن الاتفاقية لن يُعاد التفاوض عليها، وذكر ماكرون أن «الباب سيظل دائمًا مفتوحًا» لأمريكا لإعادة الانضمام، وأعرب عن أمله فى إقناع ترامب بذلك.

وتبين لنا الحسابات المروعة لتغير المناخ أنه من أجل البقاء ضمن حدود السلامة، أى عدم ارتفاع درجة الحرارة عن درجتين مئويتين، فإن غالبية احتياطيات الوقود الأحفورى الموجودة فى العالم تحتاج إلى البقاء فى الأرض، وعدم حرقها، وتعد خطط ماكرون لاستبعاد التنقيب عن الوقود الأحفورى أمرًا ضروريًا، حيث إن التنقيب الجديد عن الوقود الأحفورى يخاطر بدفع العالم إلى عتبات خطيرة، فتغير المناخ يشكل تهديدًا وجوديًا للعالم، ففى حال ارتفعت الحرارة 6 درجات مئوية، وهو الرقم الذى سنصل له إذا تم حرق جميع أنواع الوقود الأحفورى المتبقية، فإن انخفاض مستويات الأكسجين يمكن أن يشكل تهديدًا لبقاء الحياة على الأرض، ولذا فإن سياسة فرنسا الجديدة للتخلص التدريجى من التنقيب عن النفط والغاز، تتفق تمامًا مع العلم، ولكن فى عام 2040 سيكون الأوان قد فات، ولذا فإنه لابد من التوقف عن التنقيب فى وقت سابق لهذا التوقيت.

وفى العام الماضى، أظهر ماكرون قيادة عظيمة فى مجال تغير المناخ، فبعد انسحاب ترامب من اتفاقية المناخ العالمى، قام الرئيس الفرنسى بتوبيخه بقوة، وانتشرت التغريدة التى كتبها على موقع التواصل الاجتماعى «تويتر» بشكل واسع للغاية، والتى قال فيها إنه «سيجعل الكوكب عظيمًا مرة أخرى»، وذلك على غرار وعد ترامب بـ«جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى».

وفى شهر يوليو الماضى، أعلن ماكرون أن فرنسا ستمنع مبيعات السيارات التى تعمل بالبنزين والديزل، بحلول عام 2040، وأعقب ذلك إعلان مماثل من المملكة المتحدة لمعالجة تلوث الهواء، وتدرس ألمانيا سياسة مماثلة، فى حين قررت النرويج بالفعل أنها لن تسمح سوى ببيع السيارات الكهربائية فقط بحلول عام 2025، كما تنظر الصين فى إنهاء مبيعات سيارات الوقود الأحفورى هى الأخرى.

وتعد فرنسا أيضًا رائدة فى مجال التمويل الأخضر، من خلال إطلاق سندات خضراء (سندات ترتبط بالاستثمارات الصديقة للبيئة) بقيمة 7 مليارات يورو، فى وقت سابق من هذا العام، وهى القيمة الأكبر حتى الآن، وقد كانت فرنسا رائدة فى سوق السندات الخضراء، وكانت أيضًا أول دولة تقدم تقارير إلزامية عن مخاطر تغير المناخ والكربون.

وكل هذا يجعل باريس أكثر قدرة على المنافسة كمركز للتمويل الأخضر، وقد تضطر لندن إلى التنبه إلى هذا فى ظل خطر أن يؤدى الاضطراب المرتبط بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى إلى نقل المؤسسات المالية، ومع انخفاض تكاليف التكنولوجيا النظيفة، فإن المراكز المالية، بما فيها باريس ولندن، تعكف الآن على وضع خطط لاستغلال فرصة التمويل الأخضر، ولاسيما عن طريق تعبئة رأس المال اللازم للانتقال إلى المرحلة منخفضة الكربون، ولايزال هناك خطر من أن المملكة المتحدة يمكن أن تفقد تأثيرها على القضايا العالمية المهمة بسبب انشغالها بمسألة خروجها من الاتحاد الأوروبى.

وفرنسا ليست منتجًا رئيسيًا للنفط، وبالتالى فإن التأثير الرئيسى الذى ستقوم به هو من خلال الإشارات التى سترسلها إلى الأسواق فى جميع أنحاء العالم، وعلى سبيل المثال، فإن فرنسا لديها واحدة من أكبر احتياطيات الغاز الصخرى فى أوروبا، لكنها قد مررت بالفعل قانونًا يحظر عملية التكسير الهيدروليكى، وفى عام 2011 صوتت فرنسا لحظر التكسير رسميًا.

وبصرف النظر عن تأثيره على كوكب الأرض، فإن استكشاف الوقود الأحفورى عمل ينطوى على مخاطر مالية، وهناك العديد من البنوك الكبرى التى لا تستثمر فى عمليات التنقيب عن النفط والغاز، بسبب المخاطر المالية التى ينطوى عليها ذلك، ويستبعد مصرف التنمية الأفريقى، ومصرف التنمية الآسيوى، بالفعل، الاستثمار فى استكشاف الوقود الأحفورى.

ويجب على الحكومات الأخرى أن تبدأ الآن فى منع استخدام الوقود الأحفورى، وذلك للحد من المخاطر المناخية، وقد أظهرت قوة الأعاصير هارفى، وإيرما، وماريا، التى لم يسبق لها مثيل، خلال الشهر الماضى، أن تكاليف تغير المناخ ستكون دراماتيكية، ومن غير الممكن «التكيف» معها، ولذا فإنه يجب علينا جميعًا أن نعمل على خفض الانبعاثات، وبسرعة.

وبما أنه من المتوقع أن تتكثف مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة على مدى السنوات المقبلة، فإن الناس ستعرف حينها الحكومات التى عملت على حماية شعوبها، والقادة الذين فشلوا فى القيام بذلك، فالحكومات التى ستعمل على الحد من مخاطر تغير المناخ، والاستفادة من فرص النمو الأخضر، ستجنى الثمار من خلال تحقيق الرخاء والاستقرار الوطنى، وفى نهاية المطاف ستصمد تحركات ماكرون أمام الاختبار الزمنى، فى حين سيجد ترامب نفسه معزولًا على نحو متزايد.

نقلاً عن مجلة «نيوزويك» الأمريكية

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق